عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Showing posts with label بنات، حكايات البنات. Show all posts
Showing posts with label بنات، حكايات البنات. Show all posts

Tuesday, November 1, 2011

اللقاء الأول

كانت تمشي في درب طويل .. وحيدة .. غير عابئة لا بطول الدرب ولا بوحدتها .. اعتادت الاثنين منذ زمن بعيد..
هي فقط تقف عند نافذة العرض تلك ترقب ما خلفها من "موديلات آدمية" .. ربما دخلت ذلك الحانوت او الذي يليه لتجرب أحدهم .. ذلك موديل صاخب الأفكار و الصوت .. و تلك موديل هادئة الطباع عاقلة صبورة .. وذلك أهوج .. وتلك بلهاء .. وغيرهم الكثيرين.. ذلك الموديل او تلك .. ثم تمضي في طريقها مرة اخرى ..

وحين كفت بالاهتمام بما تعرضه نوافذ الحوانيت من بشر .. او أنصاف بشر .. او أشباه بشر .. فكرت: و لم لا أجرب طريق آخر؟!
مضت تبحث عن طريق آخر ربما يحمل إليها بهجة مفتقدة .. او صديق حقيقي .. او ربما فرحة ان كانت محظوظة..

وجدت عدة طرق متشعبة و متقاطعة في نقاط مشتركة .. و أحلى ما في تلك الشبكة من الطرق تنوع الطبيعة فيها .. فذلك يمتد في صحراء ساحرة آسرة للروح .. و الآخر يمتد في زرقة لا متناهية ولا مُدْرَكَة تتلون بنور ذهبي تارة و ضياء فضي تارة أخرى .. و ذلك يمتد في لجّة لازوردية تتصنع الهدوء و تخفي في باطنها عالم صاخب في صمت .. 
سارت فرحة بين تلك الطرق .. تناست وحدتها .. صارت الحياة ممتلئة بالكثير من الحكايات و البهجات .. صغيرة حقاً .. قصيرة العمر حقاً .. كأعمار الفراشات .. و لكنها كانت تكفيها للاستمرار .. الاستمرار في تناسي الوحدة و التغاضي عنها .. و لو حتى ظاهرياً...

و في احدى التشعبات .. كان الطريق اكثر صخباً من المعتاد .. تكتنفه صنوف من بشر لم ترهم من قبل ..يصنعون ثورة .. يقدمون شهداء منهم كقرابين .. تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية ..كأنهم أموات يبعثون .. بلد تنتفض من رماد.. 
جرت بكل طاقتها في اتجاه ذلك الطريق .. لا تفهم الكثير من متطلباته ولكنها شعرت فيه بالأمان .. رغم الزحام و الصراخ و فوارغ الرصاص تحت قدميها .. لم تبالي..

و من وسط الزحام لمس كتفها برفق .. و قابل عينيها بابتسامة تشجيع ..  بادلته الابتسام..
وضعا اليد باليد و ذهبا يهتفان سويا .. و باليد الأخرى حملت العلم الحبيب .. و بيده الأخرى رفع علم أكبر فوق رأسها ليحميها من شمس قاهرة .. زادت طمأنينة...

و في هدوء مُختلَس .. افترشا الأرض سوياً .. و قال: أتحبي الذهاب لصيد الفراشات؟
قالت: لا أحب الفراشات!
قال: جربي .. ربما أريتك فراشات تختلف ألوانها عن أي فراشات عرفتيها مسبقاً .. 
قالت: الفراشات تموت سريعاً .. 
قال: أعرف .. و لكن لما لا نستمتع بألوانها قبل ان تموت؟!  لما لا تحملنا رفرات اجنحتها لعالم بعيد جميل .. فيه البحر بلا موج ولا غرق .. و السماء تهدي نجومها للعاشقين يهدونها لحبيباتهن دبابيس شعر .. و الأرض تخرج للناس أحسن الثمر .. و الهواء لا يحمل إلا سلاماً و عطوراً..
قالت: و هل تعرف فراشات بإمكانها ان تحملنا، بكل ما نحن مثقلين به من هموم، إلى ذلك العالم؟
قال: بلى
قالت: و إن وقعنا من فوق أجنحتها .. ألا نتحطم فوق صخور الواقع؟!
قال: سأحملك إذن على كفوفي و أطير أنا بك

أخذ يدها بيده و مضى .. في البداية أهداها فراشات كثيرة .. بأجنحة بيضاء كالثلج و أخرى بلون النار..اجنحة تحمل ألوان الورد و أخرى تزينت بأقواس قزح ... فرحت بها ... ضمتها إليها فحملتها و ارتفعت راقصة بها .. سمعت ضحكاته .. اقتربت منه تحمله معها .. اخذ بيدها .. جذبها لأسفل فلامست قدميها الأرض مرة أخرى .. سألته بعينيها .. لماذا لم تطر معنا؟! لم ينتبه للسؤال .. مضى بها في طريق لم ترَ فيه أي فراشات .. و لا طيور أو زهور .. تسرب منها شعور الأمان رويداً رويداً.. و كلما مضى بها بعيداً ..  كلما شعرت بوحشة ذكّرتها بالدرب الأول .. بالوحدة الأولى

تساءلت .. لم الوحدة الآن و أنا لي رفيق،نصيد الفراشات سوياً؟! لماذا الغربة الآن و أنا اسكن وطن جديد؟!

شعرت بشمس الطريق تغيم .. صار الطريق أكثر برودة .. و لم تمنحها ضمة يده لكفها أي دفء.. 

سألته: أين الفراشات؟! قال بلا اكتراث: و من أين لي أن اعرف؟! ربما لم تريها.. ربما لم تعيريها انتباهك جيداً...
قالت: وعدتني بالفراشات ... لم يرد ... 

سحبت يدها من يده بهدوء .. لم ينتبه.. 
وقفت محلها و لم ترافقه خطواتها .. اكمل الطريق ماضياً ولم ينظر خلفه ...

ولما خفضت عينيها أسفاً على ضياع الطريق من قدميها .. رأته يطأ فراشات ميتة بقدميه .. ولا يبالي..



Tuesday, May 24, 2011

عروسـة

"فوزية اتجوزت!!"

هكذا ظلت تفكر لنفسها حين رأت تلك الطفلة الصغيرة التي شبت فجأة عن الطوق فوجدتها أمامها عروس بهية الطلة

مازالت تذكر برائتها و هي تحكي لها ما بدا كتباشير قصة حب

مازالت تذكر بداية صداقتهما .. مازالت تذكر حين تحولت الصداقة إلى أمومة .. او الأمومة إلى صداقة .. هي لا تذكر الآن أيهما جاء اولاً

تابعتها بعينيها في ذلك الفستان القصير و هي ترقص بين رفيقات صباها .. مازلن هم نفس البنات الصغار اللاتي كن يضعن الشرائط البيضاء في ضفائرهن .. لم يطرأ عليهن أي تغيير!

هل حقاً كبرت هكذا؟ هل حقاً في خلال يومين تصير امرأة؟

هل سأفقد تلك الطفلة الصغيرة إلى الأبد؟

"باق من الزمن يومان"

رنت العبارة في عقلها فجزعت ... يا إلهي! يومان و لن أستيقظ على وجودها معي بالمنزل!! يومان و ستغيب بهجتها و بسمتها و حتى غضبها عن البيت!!

يومان و ستغيب الطفلة في رحلة - قصرت او طالت - و تعود بعدها إمرأة!! هل سأعرفها ساعتها؟ هل ستجد طريقها إلى ذراعي كما اعتدت أم ستضل عني طريق لذراعي الحبيب؟!!

يومان؟!!!!

مالها ترقص هكذا فرحة؟!! هل تفرح لتركها إياي بعد ان قدمت لها كل تملك من وجود في الحياة؟!

يا سلااااام!!! أتفرحين لقرب لقائك به ولا تبكين لبعدك عني؟!!!

هل حقاً تملكين ذلك القلب الجاحد؟!! و من أين لك به؟! هل لقنتك هذا الجحود؟ ام لقنك هو إياه؟!!

نقمت عليه أيما نقمة.. و غضبت منها شديد الغضب!!

اعتملت بداخلها مشاعر شتى .. غاضبة هي من تلك الصغيرة الجاحدة التي تترك قلبها و ضمّة ذراعيها لقلب رجل غريب و ضمّته .... التي تترك بيت أبيها الذي آواها و حرص عليها كل تلك السنوات و تستقبل بكل هذه الفرحة بيت رجل غريب

لم تقدر على تحمل تلك المشاعر وقت أطول .. فتوجهت إليها .. اقتربت من دائرة البنات الراقصات الفرحات - هؤلاء الجاحدات لأمهاتهن مستقبلاً - اللاتي يحاولن هباء جذبها لدائرة الرقص معهن  و معها و هن لا يدركن ما يعتمل في قلبها من رعب و فزع و على الطفلة الصغيرة .. و ما يزلزل كيانها من غضب تجاه المرأة التي ستعود لمنزلها ضيفة، متعجلة الرحيل دوماً .. "لا تحب البقاء بعيداً عن بيتها وقت طويل" .. تلك المرأة التي - مع رجل غريب - ستسرق منها طفلتها/صديقتها/ إبنتها إلى الأبد

نحّت جانبا في حدة كل تلك الأيدي الفرحة/الجاحدة التي تحاول جذبها للرقص .. مالكن فرحات هكذا بضياع ابنتي/صديقتي مني!! عليكن اللعنة جميعاً!! غداً - أيتها الجاحدات - تحرقن قلوب أمهاتكن بجحودكن و فراركن بنفس ذات الفرحة متسللات أثناء الرقص لبيوت بعيدة و أذرع رجال غرباء!!

اتجهت لها مباشرة غير عابئة بضجتهم و رقصهم .. انتزعتها من رقصها على تلك الأغنية السريعة الايقاع غير مفهومة الكلمات ..
مدت لها يديها بامتداد ذراعيها ... و ضمتها طويلاً طويلاً .. بكل ما أوتيت من عزم و من خوف و من حب و لهفة و افتقاد - بدآ مبكرا جدا - ضمتها طويلاً طويلاً

و لما تسارعت الدموع إلى عينيها .. شعرت بمزيد من الفزع على غياب طفلتها .. و مزيد من الحنق على الرجل الذي سيسرقها منها .. و مزيد من الإفتقاد و اللهفة

فنظرت إلى وجهها دامعة .. و استلبت ابتسامة من اعماق هلعها .. و انفجرت في زغرودة طويلة جداً

 

بنـت وحيــدة في بيـت الكُـوَّر

○"ماما .. انا عاوزة اروح بيت الكُوَّر" 

-" طيب خلصي أكلك الأول وبعدين نروح"

إلتهمتْ ما استطاعت إليه سبيلاً من الطعام .. و تقافزت فَرِحه متوجهة ناحية الملاهي و عينيها مركزة على بيت الكُوَّر المنشود

ظلت تتقافز طوال المسافة إلى الملاهي .. تملأ الفرحة خطواتها و عينيها و ملامحها الدقيقة

- " يلّا إدي عمو الفلوس"

ناولت "عمو" النقود بلا صبر تقريباً

توجهت مع امها ناحية البناء الإسفنجي الشبكي .. و بدأت القفزات تتناقص

و تبدلت فرحتها تردد .. و تضائل حجم الابتسامة على شفتيها

خلعت صندلها الوردي الصغير ذي الوردات البيضاء .. تخطت المدخل .. ثم توقفت

إلتصقت بالحائط الشبكي .. و بدأت في تردد تسلُق الدرجات الإسفنجية

درجة .. و أخرى .. ثم انزلقت راجعة لحائطها الإسفنجي و إزداد إلتصاقها به .. و اختفت الابتسامة تماما من ملامحها

- "وقفتي ليه يا حبيبتي"
 
○"...." ... و نظرة حائرة!

- "روحي يلّا إلعبي!"

○"أصل ... أصل البنت اللي هناك خبطتني!"

- "معلش هي ماتقصدش ..  لفي من حواليها و إلعبي إنتي"

و لما وجَدَتها صامتة لا تتحرك، إلتفتَتْ لي في ملل

- " سيبك منها و تعالي نروح نقعد"

* "لأ!" ثم وجهت كلامي إليها: *"يلا يا نونو روحي إلعبي يا حبيبتي"

سددت لي نظرة لم يكن ليفهمها - أبداً - سواي على وجه الأرض!

ألْغَتْ عِقدين أو أكثر من العمر .. و رأيتُ في المرآة .. تلك البنت الوحيدة في بيت الكُوَّر .. او على الشاطيء .. أو عند الأرجوحة .. او في فناء المدرسة ..

تقف حائرة .. تنتظر من يناديها لتلعب .. من يشجعها على اللعب .. من يهلل لها لو ارتفعت بها الأرجوحة، أو قفزت عالياً بلا خوف لتغوص بين الكوَّر ..

تنتظر من يخبرها انه لا داعي للخوف من بقية الأطفال .. و لا ضير إن لمسوها أو احتكوا بها! لا ضير على الإطلاق!!

تنتظر من يخبرها أنه لا ضير من مشاركة الغرباء في فرْحات صغيرة .. في لحظات من بعض لهو

تنتظر من يخبرها ألا تقلق من وجود آخرين في العالم!  و أنه ليس من الضروري ان تعرفهم جميعهم ..و أنهم مثلها .. صغار يمرحون .. و انهم قد يحبونها و يشاركونها اللعب!

*"يلّا يا حبيبتي .. يلّا .. إطلعي يلّا من هنا .. و إجري هناك بسرعة و بعدين اتزحلقي و ارجعي تاني .. يلّا"

غلّفتْ عبارتها بكل ما تملك من مرح .. و كل ما أوتيت من قوة .. و ارتدتْ افضل ما لديها من أقنعة الفرح .. و لونت عينيها ببريقه

طفقت تصفق لها مشجعة بأقصى ما لديها من عزيمة  .. و قدرة ... على التماسك!

و حين راودتها الابتسامة مرة أخرى .. و بدأت في حث خطواتها و نفسها المترددة على التقدم .. استمدت منها مزيداً من العزيمة .. و شجعتها بحرارة أكثر

-"تعالي بقى نروح نقعد وسيبيها هي هتلعب لوحدها"
*"لأ! خلينا معاها" 
-"ليه ماهي بتلعب أهي!!"
*"أصل انا كنت زيّها"

و أدارت وجهها بعيداً عنها .. مختبئة خلف مزيد من التشجيع و التصفيق .. محاولة مداراة تلك النظرة الحائرة على وجه البنت، التي مازالت - بعد كثير من الزمن - تنتظر ان يأتي أحدهم ليخبرها أنه ليس ضرورياً أن تعرف كل هؤلاء الغرباء من حولها .. و أبداً لن تعرفهم!

و أنها مازالت تنتظر أن يدعوها أحدهم لتلعب!

 

بنـت حـارتنـا

بلوزة خضرا فيها خطوط دهبي .. على جيبه حمرا او يمكن زرقا .. مش فاكرة

لكن اللي متأكدة منه الشعر الكستنائي الفاتح .. مِلبِّك صحيح و منعكش .. بس كان مضموم في ديل حصان .. و حتى التلبيكة ما خبتش انه في الأصل ناعم و ما خبتش لونه

و اللي برضه متأكدة منه العيون العسلية .. الشقية جداً .. يمكن شقية اكتر من نَطّتها قدامي فجأة

مدت لي ايدها بكيس مناديل .. ضحكت لها .. أصلي لقيت عينيها بتضحك اوي .. ضحكتني شقاوتها .. طبطبت عليها و قلت لها شكراً

مشيت انا و اصحابي ورحنا نقعد ع القهوة .. و قاعدين بنتكلم في السياسة - طبعاً! هو فيه غيرها اليومين دول!! - و منهمكين اوي

و لقيت ايدين بتتلف حوالين رقبتي .. و بوسة شقية بتتحط على خدي

و اتعلقت في رقبتي تبص لي و في عينيها، قبل شفايفها، أحلى ضحكة ممكن تقابل حد .. قعدت جنبي و علقت ايدها في دراعي .. جم بنات تانيين من سنها .. قعدوا يحكوا لي خناقة دارت بين اتنين منهم .. و مين امها ضربتها بسبب الخناقة دي .. و فضلنا نرغي انا و هم لحد ما صالحتهم على بعض

نسيت اصحابي .. و نسيت كنا بنقول ايه .. و حسيت اني قدهم .. كانت كل شوية تحط على خدي بوسة و تاخد قصادها شوية سنين لحد ما بقيت قدها بجد .. طولها .. من حارتها .. بقيت صاحبتها .. دخلت في حكاياتها .. ماهي  - وهم - ماكانوش عايزين غير كده! عايزين حد يسمعهم .. حد يضحك معاهم 

طبطبت عليها بإيدي .. حضنتني بضحكتها .. اخدتني من ايدي لبراءة كنت نسيتها .. أخدتني من ايدي لعالمها .. دقايق قليلين .. كانت بس عايزة تقول: "انا هنا، شايفاني؟!" .. و كنت شايفاها .. و لسه شايفاها

 قلت لهم "خلوا بالكم، اوعى حد يضحك عليكم! اوعى حد يقول لكم تعالوا معايا و تروحوا" .. حسيت بخوف عليهم .. صِعب عليا عمرهم اللي بيتبعتر مع تراب الحارات اللي بيلفوا فيها يبيعوا المناديل .. و فرحت لما عرفت انهم بيروحوا المدرسة .. قلت أهو شوية أمل، صحيح يمكن مش هيحييهم، لكن اكيد مش هيموتهم.

و انا ماشية سابت لي هدايا كتير .. حضن دافي .. خمس بوسات .. ضحكة شقية بصوت فيه بحة و أشقى منها في عيونها العسلية .. و منديل ريحته حلوة

بنــــات

د
د 
 للبنات حكايات .. و البنات حكايات
د
د 
ورا كل ضحكة حكاية
د
د
 ورا كل دمعة .. و كل فرحة .. و كل غضبة .. وكل خيبة أمل .. و كل نجاح 
 د 
د
  حكاية 
د
 د
 و حكايات البنات ما بتخلصش 
د
د
  يمكن كل مدة .. أحكيلكم منهم .. كام حكاية 
د
 د