عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Showing posts with label Notions. Show all posts
Showing posts with label Notions. Show all posts

Saturday, April 23, 2016

خناقة كبيرة

النهاردة صحيت الساعة 6.30 صباحًا.. رغم انه يوم اجازة، لكن كنت المفروض أنزل.. 

كنت المفروض أنزل أحضر محاضرة عن حاجة ليها علاقة بمجالي، وبعدين اقابل صديقتي، وبعدين أقابل صديقتي التانية في مكان تاني.. كان المفروض يبقى يوم حافل وزحمة ومسلّي ويكسر الرتابة.. 

ما نزلتش.

لأسباب كتيرة ما نزلتش.. قررت الصبح، بعد ما صحيت بدري اوي كده، اني أبعت رسالة لكل الناس اللي ارتبطت معاهم بمواعيد النهاردة اني مش هانزل.. وما قلتش أسباب ملفقة او أعذار.. قلت بس اني مش هاقدر أنزل النهاردة.. 

أسبابي كانت ايه؟ ماليش نِفس. نقطة.

برغم الدوشة اللي جوايا، لكن مش عاوزة أتكلم.. ما هو أصل انا لو اتكلمت يبقى ضروري هاسمع، وانا لا قادرة أعمل دي ولا أعمل دي.. خليني في صمت أحسن يمكن الدوشة تسكت لوحدها.

مامعاييش فلوس. مش أزمة أوي يعني، كنت هاستلف من ماما ولما اقبض أردهم لها.. بس اذا كنت مش عارفة أسدد بقية ديوني، مافيش داعي أزودهم ولو خمسين جنيه.. بناقص.

في وسط اليوم، كلمتني صديقة تالتة تقولي تعالي نتقابل ونتكلم.. ورغم اني عارفة ان كلامي معاها هايفيدني ويمكن يساعدني أطلع من دايرة مفرغة بالف فيها بقالي كتير.. قلت لها اني مش قادرة أنزل.. يمكن اتفقت معاها نتقابل قريب صحيح، لكن احتمال كبير اني ألغي المقابلة دي قبلها.. زي النهاردة كده.

باحاول ما أحملش حاجة اكتر مما تحتمل، لكن - على قدر ظني - كل ده بسبب الشغل الجديد. 

كمية الطاقة المهدرة فيه رهيبة! على كل صغيرة وكبيرة لازم أدخل في جدال ومقاوحة وهري وكلام كلام كلام كتير جدا عن مشاكل مشاكل مشاكل.. ليهم حل، لكن ماحدش عايز يحل.. واللي في ايديهم الحل يا بيقولوا زهقنا من كتر المحاولة ومافيش فايدة، يا بيراوغوا بعد ما اتفقوا على الحل.. ليه ماحدش عايز ولا يقدر يلتزم بكلمة قالها؟ 

من يومين بالظبط، وبرغم اني كنت خلاص على بعد خطوة من اني امشي، لقيتني باقول لحد "ربنا جابني هنا لسبب ومش لاقية أي سبب غير اني أحاول أصلح أوضاع الناس".. الكلام كده لوحده جري على لساني من غير تفكير ومن غير ترتيب.. بيني وبين نفسي تنحت، وقلت آهي، إشارة جت لك اهي من غير تفكير ولا ترتيب.. اعقلي بقى واهدي وكملي يمكن فعلا يكون ده الهدف من ورا وجودك في المكان ده في الوقت ده.. 
طبعا النهاردة - رغم انه اجازة - اتخبطت في تلات مواقف من ناس في الشغل يدوني إشارة معاكسة خالص، وهي ان: "مافيش فايدة" 

طيب مين فيهم الاشارة؟ طيب انا ليه واخدة كل ده على أعصابي؟ ما اللي يحصل يحصل وكله تدبير ربنا، باحرق دمي ليه؟ 

حقيقي مش عارفة انا ليه باخد كل حاجة على اعصابي كده.. يمكن خوف من الخطأ؟ يمكن مثالية زايدة؟ يمكن الاتنين؟ 
ليه ما باعرفش أبقى باردة وما يفرقش معايا حاجة، واتفرج على الناس وهي بتعك واسكت وخلاص؟ أمشي بنظام "وانا مالي" وخلاص وأوفر طاقتي وصحتي النفسية؟ 

هو انا محموقة عشان انا في موقع مسئولية وحاسة بالخوف - الرعب، الصراحة - إني أقصر في واجباتي؟ اني أتخلى عن حد ينفع أحقق له وضع أفضل طالما هو الوضع الصح اللي المفروض يتحقق للكل؟ 

طيب انا مش عاوزة أبقى مسئولة! لا عن حد ولا قدام حد... انا عارفة ابقى مسئولة عن نفسي، لما ابقى مسئولة عن حد؟! دانا خيبتي قوية! 

طيب هو ده يبقى جُبن مني؟ انهزامية؟ تخلي؟ 

مين فيهم الاشارة؟ أكمل ولا أمشي؟ طيب كان ايه اللي جابني هنا؟ ليه؟ 

طيب بعيد عن كل ده، هو انا مش من حقي أحلم بحاجة صغيرة؟ هو حلم كبير اوي ان الواحد يبقى له بيت، هو مختاره، على ذوقه ويقدر يفرشه ويعيش فيه؟ 

ما طلبتش اكتر من كده وما عملتش اكتر من كده.. ده حتى انا مالحقتش أعمل لسه ومش باين اني هالحق.. ليه حاجة بسيطة زي دي تحصل بالصعوبة دي كلها؟ 
ليه كل حاجة لازم تيجي بعد انتظار طويل.. طويل.. كأنها مش من حقك.. ولما تيجي، بتيجي أقل من اللي اتمنيته او حلمت بيه، وكأن "كفاية عليكي كده" 

هو انا لو ارتحت شوية هافسد؟ بفتح السين وكسرها.. بس انا مش شخص فاسد! على الاقل ما أذيتش حد، متعمدة، غير نفسي..

ليه كل التعب ده على "ولا حاجة"؟ وهو انا اللي عاملة في نفسي كده، من باب رثاء النفس والاصرار على دور "ضحية" ما، ولا هي فعلا الدنيا صعبة؟ 

ما بقيتش عاوزة أكلم حد عن مشاعري تجاه المواقف.. بقيت أحس ان لو حكيتها اللي قدامي هايهزأ منها.. او مش هايصدقوها رغم اني دايما مشاعري اللي بتبان قبل المواقف.. لكن مؤخرا بقت تتسفه كتير، وكأن الناس حاسين اني بامثل.. 

أحكي الموقف جايز، لكن مش عاوزة أحكي مشاعري عنه.. مش عاوز حد يسفهها او يقلل منها او يستهزأ بيها.. ولأني ماتعودتش على كده ومش هاعرف، يبقى الأحسن اسكت.. يبقى الأحسن اقعد ما انزلش اقابل حد.. 

عتابي لكل الناس تقريبا قلّ ان ماكانش انعدم.. مش قساوة، قد ما هي تفهم للظروف.. كل واحد عنده اللي مكفيه.. كل واحد بيعمل أحسن ما عنده، ما تلوميش الناس على توقعاتك انت، واقبلي تصرفاتهم من رؤيتهم هم مش رؤيتك انت.. وعليه، مش هاعاتب حد لو سفه مشاعري، بس مش هايفضل في مكانته عندي.. هايقل.. وحفاظا عليهم، عشان هم بجد ناس كويسة، مش هاتكلم عن مشاعر.. واحتمال كمان أقلل حكي المواقف.. ما انا لسه قايلة ان الناس فيها اللي مكفيها.. 

الأكيد اني مش عاوزة أتخانق مع حد ولا أخسره.. مش مستاهلة والكلمة الطيبة أحسن وعشرة الناس أهم.. يبقى الأكيد اني مش محتاجة أتخانق في الشغل، عشان الشغل، اللي هو مش أهم حاجة في الدنيا! 

صح؟ ولا ده كلام نفسي الأمارة بالسوء اللي مش عاوزة تتعب وعاوزة تهرب ما تشيلش مسئولية؟ 

ما بقيتش عارفة مين اللي بيتكلم في دماغي.. أنا، فعلا؟ ولا نفسي الأمارة بالسوء؟ والسوء ده من اول حب الأنتخة ولحد رثاء النفس واستمراء دور الضحية.. 

طيب فين المفر؟ فين الطريق؟ 

ما حدش يسلفني شوية يقين؟ 

Thursday, October 8, 2015

استبصار أم هروب؟


أعتقد اني من ساعة ما تكون لي شوية وعي، وانا بنسبة كبيرة عارفة انا عاوزة ايه.. وللدقة، عارفة انا "مش عاوزة" ايه.. 
بنسبة كبيرة عارفة انا اقدر على ايه كحد أدنى على الاقل.. واوقات بافاجيء نفسي قبل اللي حواليا بحاجة زيادة عن اللي تصورت انا و/أو هم اني اقدر عليه.. وده بقى سواء في الشغل او في الحياة الشخصية.. وأظن ان ده اللي بيزعل/بيخوف ناس كتير مني.. الاستبصار.

فكرة انك تبقى رجليك على الارض (حتى لو راسك بين النجوم طول الوقت، وانت صاحي قبل ما تكون نايم.. يعني أحلامك ما بتنتهيش) دي، اتضح انها مش سهلة.. مش سهلة في استيعابها ولا سهلة في التعامل معاها.. وكل ما بتزيد، كل ما بيزيد مستوى الصعوبة.

لأنك ببساطة، بتحدد الخط اللي انت ماشي عليه أكتر.. وبتمسك فيه أكتر.. وحتى لو غيرته بعدها شوية، خطك الجديد بتبقى ماسك فيه بنفس الطريقة! 

كتير ده بيبان عناد وتكبر، في حين انه تطبيق حرفي لـ "رحم الله امرء عرف قدر نفسه".. مع شوية قدرة على اني اقول الكلام ده بصوت عالي، والتزم بيه بدرجة كبيرة

الأفضل اني ما اتسببش في الأذى لحد.. الأفضل اني ماعملش حاجة مش متأكدة اني اقدر أعملها بنسبة كبيرة كويس، خصوصا لو حد غيري معتمد عليها او نتايجها هاتأثر عليه.

لما قررت اتعلم غطس وانا كنت باخاف من البحر وباغرق فيه زي الطوبة، كانت مفاجأة للجميع وأولهم انا!! بتهببي ايه وانتي لو رجلك ما طالتش الأرض بتترعبي وتغرقي نفسك؟! 
بس حماسي لاكتشاف العالم ده ساعدني اني اتجاوز المخاوف دي.. والأهم، ان مافيش حد هيتأثر من حاجة زي دي! مش هاسبب أذى لحد، غير نفسي لو حصل.. وده بيطمني بدرجة كبيرة فباقدر أجرب.. 

لما بتتعرض عليا مسئولية شغل، باشوف نتيجة المسئولية دي هاتأثر على مين؟ طيب هاتأثر على ايه، حقوق الناس مثلا وتأدية أمانة؟ لو مش هاقدر ابقى قدها بارفضها تماما وكلية.. لكن لو مجرد حاجة جديدة مافيهاش حقوق وأمانات، باقدر اشجع نفسي اني اجربها على اساس التعليم، وان مافيش حد هاينضرّ.. وصديق ليا مرة قالي: "طالما مافيش حد هايموت بسببك، يبقى كله هايعدي".. وكلامه لاقى صدى في نفسي وبافكر نفسي بيه كل شوية.. 

ده على مستوى الشغل ومسئولياته.. وبشكل عام، وبعد 11 سنة شغل وحرقة دم، تأكدت بدرجة كبيرة ان الشغل ده المفروض يكون آخر اهتمام الواحد.. من غير تقصير لأنه أمانة هانتحاسب عليها، وعشان سمعتك كشخص بيشتغل.. لكن طول ما انت بتشتغل في شركات ناس، ماتحرقش روحك عليه ولا عشانه.. بجد الشغل بيروح وييجي والفلوس بتروح وتيجي وحاجات ولا ليها أي لازمة انها تاخد من وقتك ومجهودك اكتر مما تستحق! لو مشروعك، اه، اتعب له واتعب عليه لحد ما ينجح ويكبر.. غير كده مالوش معنى غير دوران في ساقية.. كده كده هاتدور وكده كده هاتجيب مياة.. انك تهري روحك عشان تدورها مش هايخليها تجيب مياة أكتر ولا اسرع! فبالراحة وحبة حبة يا ملواني.. 

أما على المستوى الشخصي، فالموضوع غير كده خالص!

انك ترتبط بانسان تاني وانت عارف انت عاوز ايه ومش عاوز ايه، دي مصيبة!! بيبدأ يتصور انك بتتنطط عليه، وانك مخطط ودارس وكأنك بتتآمر عليه، فيبدأ هو يلوّش بقى ويعمل فيها كرومبو عشان "يكشف" مؤامرتك دي! خصوصا لو هو ماعندوش ثقة في نفسه، او اللي عاوزينه او مش عاوزينه مش زي بعضكم... 

انك تلاقي حد بيقولك مبررات خايبة ولا بيألف عليك حكاية كذب وانت تبقى كاشفه، وهو يحس انك كاشفه، يبتدي يقلب عليك ويطلع فيك القطط الفاطسة.. لأن ببساطة ماحدش بيحب يبقى مفقوس!

انك تقول لحد ان اللي بيعمله ده غلط وهايتسبب في مشاكل كذا وكيت، وتحاول تنصحه او حتى تقترح عليه اقتراحات أفضل.. يروح برضه قالب عليك وتتحول قدامه لشيطان رجيم.. لأن ببساطة ما حدش بيحب يبان غلطان ولا ان فيه حد بيفكر أحسن منه! في الشغل او في الحياة وأي كانت علاقتك بالشخص ده ايه.. الا من رحم ربي ودول قِلة نادرة فعلا!

انك تعترف بغلطك وتعتذر عنه او تتحمل مسئوليته، وانك تقبل ان حد يقولك انت غلطت في كذا فتقوله ايوة معاك حق، فيه ناس بتشوفها مؤامرة برضه من ناحيتك وتنطيط.. انت هاتبقشش عليا بكرم أخلاقك ولا ايه؟! ولا بتعمل كده عشان توقعه هو في الغلط لما يآمن لك!  ويبتدي يعمل فيها كرومبو - برضه - عشان يكشف مؤامرتك ويفضح نواياك الشريرة.

الناس ما بين معذورين وما بين مجانين.. المجانين، سيبهم في حالهم دول مافيش أمل فيهم.. والمعذورين، اللي من كتر اللي شافوه من زبالة الناس، ما بقوش يصدقوا ان فيه حد كده، وانه بالضرورة بيمثل وبيرسم علينا الدور.. دول مصيرهم يفهموا.. وان مافهموش ماتبكيش عليهم.. 

لكن احقاقا للحق، أوقات كتير باقول الغباوة حلوة! ليه يبقى الواحد فاهم نفسه، وعارف حدود قدراته؟ ليه انا مش عايمة في مية البطيخ، وهارية نفسي تفكير طول الوقت عشان ما اتسببش في أذى لحد غيري على قد ما اقدر، وان اتسببت بغشومية او سوء تقدير بافضل نازلة تأنيب في نفسي العمر كله ولو على كلمة، ليه "شايفة" بزيادة كده؟! 

ليه ما بافوتش الغلط؟ واقول "مش مهم، هو انا يعني اللي هاعدل المايلة" ومتصورة ان الكلام والنقاش والتوضيح ممكن فعلا يصلحوا الدنيا، خصوصا وماحدش بيقبل لا الكلام ولا النقاش ولا التوضيح؟ 

 وساعات أفكر، هو ده فعلا استبصار، ولا انا باهرب من المسئولية؟ 

يعني مثلا في موضوع الأطفال.. انا ما باحبش الاطفال! باحترمهم، لكن مش باحبهم.. ولا باستوعب فكرة ان حياتي تتشقلب عشان عايزة أخلف او خلفت!! ليه عشان ايه يعني؟! ايه وجه الاستفادة اللي هاستفيدها لو خلفت؟ وايه الفائدة اللي هاتعود على العالم من خلفتي؟! لحد دلوقتي مش شايفة لها لازمة ولا فائدة ومقتنعة بده جدا.. ده بعيدا عن فكرة ان خلفة وتربية طفل دي مصيبة لوحدها!! دانا بالعافية باكتشف نفسي وباربيها تبقى "أحسن".. اقوم أروح مخلفة كائن لا حول له ولا قوة، ومعتمد عليا كلية، وادلدق عليه كل مشاكلي وعفاريتي؟!! طيب هو ذنبه ايه؟؟ 

ده بقى ايه؟ هو ادراك لحجمي وقدراتي ولا هروب من المسئولية دي؟ 

هل ده كويس ولا المفروض الواحد ما يفكرش ويرمي من ورا ضهره تماما واللي تجيبه الدنيا يمشي فيه وخلاص؟! 

ده استبصار فعلا ولا معاندة؟ خوف ولا تكبر؟ احساس بالمسئولية ولا هروب منها؟ 

حقيقي مش عارفة.. 

كل اللي عارفاه اني باطلب من ربنا يرزقني البصيرة دايما.. واني اشوف عيوبي على حقيقتها وأقدر اصلحها او ابطلها.. وان بصيرتي تبقى على نفسي اكتر من اي حد تاني وما اتسببش في الأذى لحد لو كلامي هيؤذيه، ويلهمني اني اقول الصح والحق بالطريقة الصح لو هاينتفع بيه ولو بني آدم واحد.. والأهم ينجيني من نفسي ومن غرورها.. وينجيني من شرور ما كسبت وما اكتسبت..   



Friday, September 18, 2015

في انتظار الشمس


"Let someone love you just the way you are – as flawed as you might be, as unattractive as you sometimes feel, and as unaccomplished as you think you are. To believe that you must hide all the parts of you that are broken, out of fear that someone else is incapable of loving what is less than perfect, is to believe that sunlight is incapable of entering a broken window and illuminating a dark room."  
- Marc Hack



أليس هذا بصحيح؟! ألست تنتظرين الشمس؟

هل تشككين بقدرة الشمس على نشر النور؟ وهل يغلب الظلام الشمس؟

حتى وإن طال الليل... لا بد لها من شروق.. لا بد لكِ من نهار.. 


Thursday, August 20, 2015

أحوال

فيه مواقف بتمر بينا بتسبب لنا صدمة، كرب، أذى نفسي أو مادي.. أو كلهم!

المواقف دي بعد فترة، للي بيحاول يستخدمها سلمة للنضج الحياتي والتحول لشخص أفضل، بيتصور انه تجاوزها وتخطى المتسببين فيها.. وان أذاهم ما بقاش له سلطة عليه من غضب أو حزن، لأنه اتعلم منها ومنهم درس خلاه بقى شخص أفضل/أذكى/أرقى.. 

وفعلا، يبتدي الشخص لما يفتكر الموقف يلاقي نفسه أكثر هدوءًا، ولما يفتكر الشخص المتسبب فيه يلاقي نفسه بيقول الله يسمحه/ا بدل حسبي الله ونعم الوكيل فيه/ا.. 

الغريب بقى لما ييجي الواحد يقابل الشخص ده، واقعيا او افتراضيا، صدفة، ويتفاجيء انه لسه غضبان! وان احساس الكرب اللي سببهوله تصرف الشخص بيصحى من جديد.. وترجع تاني تصعب عليه نفسه.. 

طيب ليه؟ مش الموقف/الشخص ده علموك حاجة، حتى لو كانت انك تتجنب انك تبقى/تعمل زيهم؟
مش بعد كده حصلت حاجات أحسن من اللي خسرتها بسببهم، وبقيت تقول الحمدلله انهم عملوا كده والا ماكنتش هاتعلم واتقدم؟ 

ليه فجأة لما تشوف صورة الشخص ده او موقف يتضمن سيرته، تلاقي كل كربك ده بيصحى من تاني؟ 

هو الأذى كان كبير للدرجة دي؟! 

ولا ده حب رثاء الذات وعيش دور الضحية؟! 

مش متأكدة.. 

Thursday, April 23, 2015

لا شكر على...

ماذا يعني أن يشكرك أحدهم على مشاعرك نحوه؟

أيا كان كنه هذا المشاعر، سواء أكانت تقدير او حب او صداقة او أمومة؟

ولا أقصد ان يعبر عن امتنانه لمشاعرك او يبادلك اياها.. ولكن أن "يقول" لك "شكرا"... 

ماذا يعنيه ذلك؟ 

أتفهم ان أتقدم بالشكر لمن يقدم لي "خدمة" ما أو يوفر لي شيء ما.. ولكن كيف أشكر أحدهم على "مشاعره" والتي قد تترجم أفعالاً أو تبقى قيد التعبير بالكلام.. 

تخيل الأمر انك تقول لأحدهم "أنا أكرهك" وكان رده عليك بـ "شكراً"... ماذا يعني هذا؟ هو يسخر منك بالتأكيد! يرسل لك رسالة أن كراهيتك له أقل من أن تؤذيه أو تلفت انتباهه حد الانزعاج او اتخاذ رد فعل بأكثر من كلمة تؤدى بآلية تامة.. 

"شكراً.. انت أتفه من تهمني كراهيتك لي! انت لا تشغل هذا الحيز من تفكيري لكي يزعجني انك تكرهني، أو أن أنشغل بكيفية تصحيح الوضع، وتحويل الكراهية الي قبول او مشاعر إيجابية أخرى.. شكرا لأنك أخبرتني كي لا أهتم بمجاملات فارغة"

شكراً

إذا ماذا لو كان ما قلته هو "أحبك" وكان الرد عليها بـ "شكرا"... ماذا يعنيه ذلك بحق السماء؟!

"شكراً.. انا أعرف اني شخص رائع، يهيم المحيطون بي حبا ويتيهون بي غراما، فشكرا على تأكيد المعلومة"؟ "شكرا لانضمامك لقائمة المعجبون"؟ "شكرا على قيامك بواجبك تجاهي.. انا فعلا أستحق ان أكون محبوباً منك، فشكرا لأنك لم تخيب ظني"؟ 

ماذا تعنيه هنا؟! 

برغم حرصي الشديد على الآداب البائدة من نوعية "شكرا، ومن فضلك، وبعد إذنك" إلا اني في مثل تلك المواقف أجد هذه الـ "شكراً" قمة في الإهانة! او الاستهانة!

"شكراً لاهتمامك" كم هي باردة تلك الجملة حين تخبر أحدهم انك قلقت عليه حال مرضه/انشغاله، أو أنك تود ل تساعده في هذا الأمر أو ذاك.. ساعتها، تبدو شكرا كأنها صفعة! كأنها نظرة شذر تنزع عنك أهلية الاهتمام والمساعدة.. كأن لا حق لك في ذلك.. من انت لتهتم؟ انت أقل من ان تقدم مساعدتك شيئاً.

حين تقابلني إحدى هاته الـ"شكرا" أحاول ان أعبر اني لا اريد شكرا منك بل غاية مناي ان أوصل لك حقيقة تعتمل في عقلي او قلبي او الاثنين معاً.. ولكن أفشل! أشعر بالاهانة والغضب.. كأني أقدم يدي لك مصافحة فتهملها او تصافحني بأطراف اصابع باردة مشمئزة.. أو كأني اقترب لأقبلك فتشيح بوجهك عني كأني مصابة بعدوى ما!

أشعر بغضب شديد! أود لو أصرخ..

أفكر، إن الناس يختلفون عن بعضهم.. ليس كل الناس مثلك تشعر بالاهانة من "شكرا" في مثل هذه المواقف.. هم لا يقصدون سوءا.. هم يعبرون عم امتنانهم بطريقتهم وهذه هي الطريقة التي يعرفونها.. فأصمت... لا ابتسم ولا احر رداً..  

أحاول تفادي "الشكر" في مثل هذه المواقف بالدعاء والثناء على من "يعبّر" او "يحاول".. فأتحوال إلى شحاذة منبرية في الدعاء بحماس لمن يتصدق إليها.. ولا أهتم حقيقة ان  يبدو الأمر كذلك.. ولكني لن أرد مصافحتك باهمال او اشمئزاز.. وان قاربتني بقبلة سألف ذراعي حولك..  أتذكر جملة قرأتها لـ مريد البرغوثي: “ليس هناك ماهو موحش للمرء أكثر من أن يُنادى عليه بهذا النداء "يا أخْ".. ياأخ هي بالتحديد العبارةُ التي تُلغي الأخوة !”
وهكذا أشعر نحو هذه الـ"شكرا".. انا غريبة.. لم يسمح لي بالاقتراب بعد..

الحدود الفاصلة أكثر اتساعا من تعبير عن مشاعر او عرض المساعدة او اظهار الاهتمام، مهما كان أي منها حقيقي، وبلا غرض خفي من ورائه! أنا اقول هذا الآن، لأني أعنيه هنا والآن..

لم تشكرني على أفكاري تجاهك؟ لماذا تشعرني اني اؤديها على سبيل الخدمة او الواجب، ليس لأني أعنيها واقصد أن أنقلها إليك لنأتنس بصحبة او تأتنس افكارنا وأحزاننا ببعضها على الاقل.. لماذا قد تنفي عني اي أمل في حميمية أتبادلها معك بهذه الـ"شكرا"؟! ألا تشعر بقسوتها؟ حقا؟! لماذا إذا أشعر انا بقسوتها كأنها سوط على جلدي؟!!

حساسية زائدة مني؟ على الأغلب ان الأمر كذلك.. ولا داع لكل هذه الدراما..  صحيح ان "الحياة تستعصي على التبسيط" ولكن لا داع لكل هذا التعقيد..

من اليوم، كلما عبرت عن افكاري/مشاعري/أمنياتي تجاه أحدهم وكان رده "شكرا"، سأدرك حجمي.. وسأعرف اني غريبة عنه.. في صمت..

لن أرد الـ"شكرا" بـ"عفوا" تزيد من اتساع رقعة الغربة بيننا..
ولن أردها بابتسامة تجعل الصقيع يدب في أوصال العلاقة..

هو الصمت الرد المناسب على كل هذه الغربة.. وسأصلي لله في قلبي أن يمحو هذه الـ"شكرا" من قاموس المقربين مني الذين أصلي من اجل دوام نعمة وجودهم بحياتي.. ولتكن  صلاتي هي تعبيري الوحيد عن ما أكنه لهم.. حتى وإن لم يعرفوا ذلك أبداً..   

Tuesday, November 26, 2013

يا شمس

بعد يوم و ليلة من الركض بين صورك عساك تأتيني زائرا لمنامي.. هلا ترفقت بي إن أتيت، و أطلت لقائنا قليلا.. حتى يوم الدين؟

هلا أطلت ضمّة الكف للكف حتى يسكن القلب في الفرحة و يعتادها.. طويلا؟

هلا طبعت ابتسامتك على عيوني؟ هلا داويت روحي بأناملك حاملة البهجة؟ هلا لمست العمر بعصاك السحرية فيزول عنه الحزن و الأسى و تملأه سحرا و جمالا؟

أطل بقائك قليلا.. أطل فرحتي قليلا.. عساها تحدث المعجزة فتذوب الحدود و الحواجز و نعود روحاً، لا اثنتين، طال بنا الشتات حتى التقينا صدفة.

أطل بقائك قليلا... في منامي.  

Tuesday, November 12, 2013

يا شمس..

أود لو أصرخ... 

أحبك.. أحبك... أحبك...

و لكنك مثل كل شيء أحبه.. لست لي. 



Friday, July 5, 2013

خِـــبــال

في غرفة ضيقة.. يهدر مكيف الهواء مصدراً صقيعاً... تتضخم الوحشة حتى تملأ فراغ الغرفة الضيّق بالأساس.. تغيم الرؤية و تصبح الموجودات عدم.. ثم تتجسد بغتة، فيتلفت حوله غير عارف أين يكون و لا كيف وصل إلى هذه الغرفة الضيقة ذات البرودة القارسة برغم الأغطية... التي - بالمناسبة - لا يطقيها و لا يطيق البرودة دونها في نفس اللحظة في تناقض عجيب لا يدري من أين له به!! 

هناك وجود ما بالغرفة يكافح للحصول على نَفَس.. يُنازع من أجل الهواء منازعة حقيقية... يرتج الفراش - الذي يبدو أن هذا الوجود يستلقي عليه محاولاً النوم مع معاناته في التنفس - فيبدو خيار النوم خيارا سخيفاً، مثيرا للغثيان مع تلك الارتجاجات المتواصلة مع كل نَفَس... يتباين رد الفعل مع هذه المعاناة ما بين التعاطف و الضيق و العصبية و عدم الفهم..
تصدر غمغمات غير مفهومة من ذلك الوجود، فيزداد حيرة و انفصالاً عن الواقع كلما حاول تفسير "معاناة التنفس" أو "الغمغمات الغامضة".. ثم يبدأ الشعور بهذا الوجود في التلاشي تدريجياً مع إزدياد تشوش الرؤية و إزدياد صعوبة الإدراك..

يصمت المكيف قليلاً و يصدر عنه صوت خرير مياة.. فيزيد شعوره بأنه موجود في "كهف"... 

الظلام يغلف رؤيته برغم الأضواء الاصطناعية فوق رأسه.. و صوت تنفس "الوجود" - الذي لا يعرف بماذا يشعر تجاهه الآن، و إن كان على الأغلب لم يعد يشعر تجاهه بشيء على الاطلاق - يزداد معاناة و "رجّاً" للفراش... 

يفكر "هل يمكنني الهرب؟!"

تأتيه أصوات من خارج المكان لقرع طبول مجهولة المصدر - الطبول و الأصوات - فتقذف في قلبه الرعب فينكمش على نفسه محاولاً استعادة نفسه... يحاول التنفس بعمق ليهدأ.. فيكتشف أن المكيف قد جمد هواء الغرفة - الضيقة سيئة التهوية أصلاً - فيشعر انه يكافح لكي يتنفس - هو أيضاً - فيزداد انكماشاً....

يزداد تماوج الرؤى أمام عينيه فيصعب عليه ان يقرر هل هو يرى أم يتخيل..  يدور في الغرفة كنمر حبسوه في قفص أضيق من حجمه... يذهب لزاوية -يتصور هو - أنها الحمام.. يغسل وجهه و ينظر لما يتراءى له كأنه وجهه فلا يعرفه فيدير رأسه عن المرآة هرباً...
يشعر أنه سيرتاح لو أفرغ جوفه و لكن لا يستطيع حسم أمره "كيف".. يدور بعينيه في أرجاء الحمام و يفكر "إنه حمام أنيق! لو امتلكت المال الكافي لجعلت حمام بيتي مثله.. قد أغير في الألوان.. يمكن"... يزيد من تجوال عينيه في أرجاء الحمام و يشعر انه ارتاح قليلا و لا يدري لمَ!
الحمام أدفأ من الغرفة كثيرا حيث أنه يقع خارج نطاق صقيع المكيف.. يظن أن هذا ما يشعره بالراحة... تنتزعه الغمغمات الغامضة من شروده فتدفع الصقيع في عروقه مرة أخرى حتى و هو بعيد عن المكيف..

يجد نفسه مدفوعاً للعودة للغرفة الضيقة - التي يبدو الآن الحمام أوسع منها بدون أن يدري كيف يمكن ذلك - فيعود زحفاً داخل  الغرفة..
هو يشعر انه يزحف برغم أنه يقف على ساقيه معتدلاً.. استغرب ان الزحف قد يأتي في صورة "شعور" و ليس "فعلا"... يستمر في الزحف - شعوريا - تجاه الفراش المرتجّ مرة أخرى..
"ماذا أفعل هنا؟!!!" يدّوي السؤال بين جنبات عقله، فتميد به الأرض و يشعر انه على وشك فقدان اتزانه.. كيف يمكن ذلك لمن يزحف على أربع؟؟!!! يزيده ذلك الشعور ارتباكاً فيسقط على السرير ولا يعرف هل تلك الارتجاجة بسببه ام بسبب ما يكابده "الوجود" ليلتقط نفساً.. يشعر بالألم من أجل ذلك الوجود فجأة.. لا ينبغي لأي كائن ان يجاهد من أجل التقاط أنفاسه!! هذا شيء مؤسف حقاً!! من فعل بك هذا أيها المسكين؟! يختلط عليه الأمر حين يعجز أن يحدد هل كان السؤال موجها للـ"وجود" أم لنفسه.. ينفضه عن رأسه موغلا في التيه.. 

مستلقياً على الفراش جاهلا ما يمكنه أن يفعله في حالة انعدام الادراك تلك.. يفكر "على أن أتواصل مع أحدهم بأي شكل.. سيعيدني هذا لتوازني.. لابد!".. .يهرع إلى التليفون.. يمسح شاشته باصابعه.. يحدق في الأسماء التي كانت تملأ أيامه كلاماً و صخبا في السابق - أو هكذا يظن... يعني، يمكن! - لا يعرف من منهم يكلم و لا ماذا يقول له... تتراءى له جُمل من عتاب او مجاملات او أحاديث سطحية قد يفتح بها مجالا للحوار.. يفكر: " و لكن أنا لا اعرف هؤلاء القوم!!! يبدو أنني كنت أعرفهم في السابق و لكن Not any more!! يستغرب الحروف الأعجمية التي تراصت على لسان عقله و لكنه لا يتوقف عندها كثيرا...

يشعر بنفسه خفيفاً كأنه لا وزن له.. و برغم ذلك يشعر و كأن أحدهم قد سمّره للأرض.. لماذا لا يقوى على الحركة.. "لو خرجت من هذه الغرفة سأكون بخير"، هكذا يفكر لنفسه.. " و أين ستذهب؟!" يرد عليه صوت ما لا يعرف مصدره و لا يكترث للمعرفة..

"الموسيقى تنقذني كل مرة.. سأدير بعض ملفات الموسيقى من الجهاز و سأصبح بعدها على ما يرام"... يتذكر معركة دارت أمامه بين آلة البيانو الراقية و آلة الكمان - الراقية أيضاً - و التي - المعركة لا الكمان - كانت تنأى كل النأي عن الرقي.. فيشعر بزيف الأشياء كلها و يترك سماعات الأذن معلقة في الجهاز بدون أن يشغل أي موسيقى.. يشعر بالألفة مع وضع السماعات معلقة هكذا.. هو يشعر انه معلق أيضاً.. لا يعرف لنفسه هدفاً ولا من علقه و تركه هكذا... ياله من قنوط! 

"لابد أن أهرب من هنا".. يشعر بعزيمة ما تتسرب إلى عروقه.. و لكن حين يتذكر أنه قد جاء إلى "هنا" هارباً من "هناك" يشعر بمزيد من  القنوط.. ليس الأمر "هنا" أو "هناك"... المشكلة فيك لأنك تحمل نفسك أينما ذهبت.. كيف تهرب من نفسك؟! 

عطش حارق يكوي حلقه كأنه لم يشرب منذ دهور.. و لا توجد سوى زجاجة مياة واحدة حتى الغد.. يزداد شعوره بالعطش حين يدرك تلك الحقيقة، و يقرّع نفسه أنه لم يشتر زجاجة كبيرة في عودته من الخارج.. "متى كنت بالخارج؟! لا أذكر!!"..

يشعر بمقلتيه تدوران في محجريهما بلا هدف.. و هذا الدوران يشعره بمزيد من الدوخة التي لا يعرف ان كانت محببة أم مزعجة...

شعور بالذنب يخنقه.. أنا اخطأت في حق فلان.. و لكن لماذا يصعب عليه ان يسامحني مرة؟! سامحته مرات و كان خطؤه أكبر مني! ياله من مغرور!!!
يالي من مغرور أطالب الناس بالغفران متى أشاء، لا متى يقدرون..
ما كل هذا الغباء الاجتماعي؟!
ما هذا المصطلح؟! "الغباء الاجتماعي"..  يبدو مصطلحاً ذكيا جدا لا يصدر عنه في حالة الارتباك التي تنتابه الآن.. و لكنه في العادة ذكي.. هكذا يعلقون على ردوده السريعة الحاضرة المنطقية دوماً التي لا يبدو أنه يجتهد في الاتيان بها.. و كأنها فطرة بديهية..

أحتاج للنوم.. يوووووه! قلنا النوم يبدو سخيفاً مع ارتجاجات الفراش بسبب الوجود الذي يقاتل من أجل التنفس، و هدير المكيف، و أصوات الطبول، والشعور بالدوار و الخفة و الثقل في نفس اللحظة، و احساس الذنب الخانق تجاه هؤلاء الأشخاص الذين يضنون علي بالغفران و لا أعرف ماهي علاقتي بهم، و تلك الحروف الأعجمية التي تتراص بجوار مصطلحات ذكية منمقة تتوارد على ذهني بسلاسة، كأنها بديهية و هنالك منذ الأبد، في هذا الكهف الضيق المظلم الخانق، الذي تكاد برودته تقتل، ذو الحمام الأنيق بألوانه الرائقة، التي لو امتلكت المال الكافي يوما لقلدتها في بيتي، حين أتمكن يوما من تحديد كيف أريد أن أفرغ جوفي، و أقدر على الهروب من نفسي، و أطفيء ذلك الظمأ الحارق حين أشتري زجاجة مياة  وانا عائد من السوق، و أجد الطريق إلى البيت...  


By Anne Fennigan

Monday, July 9, 2012

هكذا قالت الجبال

سانت كاترين - جنوب سيناء
"لتتعلم أيها الفاني، عليك أن تنزل من فوق صهوة غرورك و تجلس كتلميذ متهيب في صمت و تستمع لما سنعلمه لك"

             هكذا قالت الجِبَال

         ************





تعلَّم أيها الفاني:

أن تدرك حجمك على هذه الأرض و تدرك قيمتك عليها.. انت لا تعدو كونك مجرد ذرة.. و لكن سُخِر الكون كله لها.. فاخشع ولا تتجبّر

أن تدرك "عقلك" ولماذا أوتيتهُ.. فلأنك لا تصلح للعيش على هذه الأرض بامكانيات جسدك وحدها، منحت عقلاً يغلبك على عجز الجسد .. فاخشع و لا تهمله

أن تدرك قيمة شهيقك و زفيرك.. ذلك الفعل الذي تأتيه كل ثانية بدون إرادة عادة، قد لا تستطيع اتيانه ولو أردت.. فاخشع ولا تضيعه

ان ترى الثمر يخرج من قلب الصخر.. فتتحسس موضع القلب منك.. هل صار صخرا بعد؟! إذن سيثمر الزهر منه عما قليل ... فاخشع ولا تقنط

ان ترى الماء يجري من عل فيشق لنفسه طريقا من قلب الصخر، ليأتيك بردا و سلاماً من القيظ.. فتشرب و تقر عينا ويغيب عنك الظمأ بعدها وقتاً طويلا.. أتاك الماء من قلب الصخر ليرويك من حيث لا انت ولا الصخر احتسبتم... فاخشع ولا تهدره

ان تدرك ان ليس كل الظل ظلاما.. ستستحث الظل للحظة كي تحتمي فيه من لفح الشمس.. و ستلهث خلف ظلك لتدرك انك موجود على هذه الأرض ولست وهماً .. فلتستحضر معنى "يوم لا ظل إلا ظله" و تشكر الظل على وجوده.. فحيث وُجد وُجدت انت.. فاخشع ولا تحقره

أن تتخذ من الخطو على الصخر طريقاً مهما بدا مستحيلاً.. فبامكانك الاعتماد عليه بقدميك او حتى يديك لتتحرك للأمام.. أما الحصى و الرمل، برغم البساطة و السهولة البادية فيهما،فسيحملاك خطوة، و ينهارا تحت قدميك لترجع للوراء خطوتين.. فاخشع ولا تنهره

 ان تتساءل "أترى لخطواتك أثرا؟!" إنك فانٍ، و كذا خطواتك إن لم يكن لها الوقع الذي يحفرها على وجه الصخر.. أثرك/ عمرك فانٍ، فاخشع ولا تهدره

أن ترقب خطوك جيدا ان اردت ألا تزلّ قدمك.. الطريق ليس صديقا كما قد تظن، كما انه ليس بعدو ... إنما انت عليه ضيف، فلتظهر الاهتمام و الاحترام.. فاخشع ولا تستيسره

أن تدرك ان الطريق لم يخلق بكل تفاصيله عبثاً.. لأنك فانٍ، فانت تظن انه مسار للانتقال بين نقطتين.. تلك مهمة محدودة لمحدودي البصيرة.. للطريق لغة تدركها حين تدرك تفاصيله من حولك.. توقف قليلا أثناء سعيك.. تأمل تفاصيل الطريق و لا تكن ضيفاً ضريراً.. فاخشع و ابصره

ان ترفع عينيك للسماء.. كيف رُفِعت.. و مدى بعدك/اقترابك عنها و منها.. أتبعد عنك بقدر دعوة؟ بقدر لحظة تأمل؟ بقدر دمعة تفر من عينيك خجلا؟ أتخشاها ام تتمناها؟... ارفع عيناك لها..  و اخشع و اقترب

أن تدرك انك مسموع لنا و لو همست.. و لو أسررت لنفسك... نسمعك، فتكلم.. نسمعك، فتألم.. نسمعك، فتأكد أن سرك محفوظ في قلب الصخر.. لما ننوء به يخرج ثمرا و ماء.. وجدنا كي نعلمك ان من قلب الظلمات يخلق النور.. و من قلب الصخر يخرج الثمر .. و من قلب الألم يخرج الإيمان.. فاخشع و تقبل ألمك

ندرك ان ألمك يصقل روحك.. فلا تغضب.. المشقة تصنع منك إنساناً.. و الإنسان يصنع المستحيلات.. بالمشقة تمكن اجدادك من شق طريق بين جلاميد الصخر و لم يقنطوا.. تذكر السابقين و ما كابدوه حتى تسير اليوم مختالا فخورا في طريق كنت تظنه اليوم وعرا، فكيف كان وقت ان قهروه و مهدوه لأجلك؟ فاخشع و اسمو فوق ألمك

أن تدرك أن الموسيقى لغة الكون.. و لغة جسدك.. كلما أوغلت فيها أوغلت فيك.. أعطتك من مفرداتها كلمات، و جُمَّل تكشف لك سر الكون.. و سر نفسك.. فاخشع و استمع

ان تمد يديك إلى الرزق.. حين ترى الثمار تميل عليك بفروعها، و تعطرك بشذاها، لا تردها خائبة... تذوق الخير ولا تسرف.. فلا أطيب من ثمر نما في الخفاء و تحدى البرد و القيظ و الوِحدة من أجلك.. فاخشع و استطيبه

و تعلم أيها الفاني، .. الموت مُدركك حتى و لو بين أضلع الجبال..  ان تمُتْ في الجبال، فلا اسم لك عند البشر.. و لكنا نحن سنعرفك.. سنحفظك.. سنؤنس وحدتك.. و سنبعث سيرتك في ترانيمنا للسماء.. فاخشع و اتعظ
تعلَّم ان تُسلّم حين تمر ببيوت قوم.. حتى لو كانت آخر مثواهم على الأرض و ادعُ ربك أن يكون لك بيتاً  حتى و لو بين صخر الجبال، يمر به العابرون كراماً فيُسَّلِمون.. و اشكر نعمته عليك إذ يجعل لك على الأرض أحبة يتذكرونك.. حتى بكتابة اسمك على شاهد حجري يشهد على وجودك يوما ما على هذه الأرض.. اشكر نعمته عليك إذ يجعل موتك معلوما و لو من نفس واحدة على الأرض تبكيك يوم ترقد في آخر منازلك عليها..و ربما تذكرك كل حين بسلامٍ على البعد.. و اشكر نعمته عليك إذا بعث لك في قلب الجبل غريبا يمر بظله فوق قبرك فيجعل من ظله عباءة.. فاخشع و سَلِّم و اشكر و اعتبر

ان تدرك ان للصخر القاسي قلب.. لا يشبه قلبك.. قلب لا ينسى.. يُنبت الثمر و يُجري الماء.. قلب يشعر بوحدتك أيها الفاني و لهذا تكلمنا إليك.. فاخشع و استمع

انزل ايها الفاني من فوق صهوة غرورك.. فلولانا لمادت بك الأرض... فاخشع و ابتهل

***

هكذا قالت الجِبَال..

Wednesday, May 23, 2012

هلوسات دمية قماش

تُذبَح.. فتنزف... فتذوي... و تموت. ثم تعيش كـ"زومبي".. فتروح و تجيء و تأكل و تشرب و ترتدي أقنعة الضحك و البكاء بحسب المناسبات.. و لا شيء حيّ فيك سوى الألم!

يقبع هناك.. ذكرى وحيدة لا ترتبط بحادث معين... يحرّقك.. يعيد عليك صورة دمك المهدور بتكرار مذل. تحاول تناسيه و إقصاء رائحة الدم عن أنفك.. ثم تتذكر أنك لست سوى "زومبي" لا يملك من الإرادة شيء!

*****

ترى الموجودات من حولك تصطبغ بلون أحمر... فتدرك أن ما يسيل من عينيك ليس دمعاً!!

*****

بعد منتصف الليل بزمنٍ، أسمع صوت مياة جارية.. أفكر: لعل أحدهم يغسل ملابسه أو روحه ليأتي عليه النهار و "هي" نظيفة...

*****

لكل منّا وجهان.. وجه نعرّفه للجميع و آخر نخفيه عن الجميع، غالبا ما يكون قبيحاً و مدعاة للعار... كنت انت ذلك الوجه الذي أخفيته عن الجميع... قبيح، و مدعاة للعار...

*****

و انا أرقب تلك الأجسام الضئيلة الهشة، القابلة للانسحاق بقبضة يد عارية، أدرك كم نحن مثلها، هشّون و قابلون للانسحاق، بل و نستحقه أحياناً كثيرة.. لولا رحمته التي وسعت كل شيء.. حتى "نحن"...

*****

تصطبغ الورقة و الحروف بلون أحمر.. فتدرك أن الذي يجري على الورق ليس حبراً.. و ليس مصدره القلم......

*****

تتدافع الأفكار، الصور، الكلمات، العبارات... فيرتفع معدل نبض الألم لحدٍ خطر.. و لكن الموت لا يأتي... فهو لا يأتي، أبداً، مرتين....

*****

لماذ يقتل البعض و ينتحر البعض الآخر مادامت الكتابة موجودة؟! فهي تتيح القيام بالفعلين معاً، من دون فوضى الدماء و التحقيقات!!

و إن كان ذلك يجعلني أخمن سبباً لانتحار البعض، أو لجوء البعض الآخر إلى القتل.. لابد أنهم كانوا أميّون!

*****

مع كل كلمة تخطّها على الورق، ينضح جبينها حبة عرق بارد.. تقل نبضات قلبها واحدة.. و يرتفع صخب الألم بمقدار 100 ديسيبل/كلمة... فتشعر بصمم الموت، لا الموت نفسه.... فكما قلنا، إنه لا يأتي - أبداً - مرتين...

*****

على مدار السنين، زارها الموت مرتدياً العديد من الأقنعة.. حرقاً، صعقاً، غرقاً، و سقوط من علٍ... و عن طريق خطف عزيز و حبيب لا يعوض غيابه أحد، فيقتطع من جسدها/روحها جزءاً لا يمكن استبداله، فكأنها ستموت بالـ"قطعة"... و على هذه الصور، صارت و الموت "معرفة قديمة".

و لكن يظل "الموت ألماً" هو منجز المهمة الفعلي.. فبغض النظر عن الـ"معرفة القديمة" و برغم أنه كان الأشد وطأة، إلا أنه - باحترافية تستحق الاحترام - يقوم بالمهمة على الوجه الأكمل ... ببطء... و على مراحل .. و بمنتهى الفاعلية...

*****

ظلمتك حين قلتُ عنْك أنك "وجهي القبيح"... "أنا" هو وجهي القبيح الحقيقي.. و الأكثر مدعاة للعار........

*****

ترقب القطة الغافية بجوارها على الفراش، و التي، برغم نومها، تمد قوائمها لتتلمسها و تأتنس بوجودها... تفكر:"أنتِ الكائن الوحيد على هذه الأرض الذي يحبني - حقاً - لوجه الله.. برغم أني لا أقدم لكِ أي شيء سوى أني أناديكِ دوماً لتجلسي أو تغفي بجواري لأأتنس بوجودك و أتخفف من عبء وحدتي قليلاً أو اخدع نفسي بذلك على الأقل.. ألهذا تحبينني؟! و هل للـ"ونس" هذا القدر من الأهمية في حياة أي روح، فيجعلها "تحب" من تأتنس به؟!

عموماً، أشكرك يا قطتي على حبك، أياً كانت بواعثه... أشكرك على ماتمنحيني من الونس مما عجز عنه بنو الـ"بشر"

*****

حين تبطيء سرعتي في الكتابة، أعلم أن الجرح قد استنزف دمه حتى مداه.. حتى حافة الموت الذي لا يأتي أبدا مرتين .. و أنه لم يبق منه سوى ما يكفي لمواصلة المسير كـ"زومبي" حتى يأتي الـ"معرفة القديمة" لزيارتي مجدداً فأكتشف أن هناك مزيد من الدماء لـ تُنزف...

Wednesday, January 4, 2012

سُــــلَـــيْمَـــــى

أرى سلمى بلا ذنب جفتني

و كانت أمسِ من بعضي .. و مني

كأني ما لثمت لها شفاهاً

كأني ما وصلتُ و لم تَصلني

كأني لم أداعبها لعوباً .. و لم تهفو إليَ و تستزدني

كأن الليل لم يرضى و يروي أحاديث الهوى عنها و عني
###

لم تكن سلمى تدري أنها ستقع بهوى هذا الرجل بهذا القدر من الجنون.. كان رجلا عادياً بكل ما تخلو منه الكلمة من معانٍ.. ليس جميلاً وليس من الأثرياء و لا الأقوياء .. و ليس شاعرا و لا مجنوناً... سوى بها!

كم جُنَّ بها الرجال من قبل و لم تعبأ.. و لكن هذا الرجل.. هذا الرجل تسلل إلى عقلها.. تهادى بين منعطفات أحزانها و غضبها.. و بحبه و ضعفه و اشتياقه و لهفته، سيطر على مشاعرها.. تملّكها فملَكها..

قاومت و صرخت و غضبت و فجّرت و حطمت الكثير و الكثير من الكلمات و المزهريات و الهدايا و المعاني.. و بقي.. طأطأ رأسه أمام ثوراتها المتعاقبة المتفجرة، ثم  رفع بعدها قامة العشق عالية ثابتة لم تزحزها غضبة و لا انفجار

قال:

"أحبُكِ كيف أنتِ.. و كيف أنا.. و انا لا أملك من أمري شيئاً سوى أني أحبُكِ.. فساعديني و لا تحملي على بضعفي"

ذابت بين حروف كلماته.. و دفء راحتيه.. و سلَّمَت سلمى 

إطمأنت وهدأ عقلها قليلاً.. نامت في كفه... توسدت قلبه و غفت كقطة بحثت عن الدفء طويلاً ثم وجدته فقرّت عيناً و استقرت

مسد رأسها بيديه.. تخلل مشاعرها بأنامله و همساته.. ابتسمت له و أطلقت العنان لغجريات الليل الحالك ليرمحن و يمرحن على كتفه و صدره.. و جنيات عطرها أشعلن النار تحت قدور الرغبة و العشق و النشوة.. فتلقته أمواج العطر سابحاً مخلصاً.. و حملته لشطآن نحرها

ذاب في حرارة أنفاسها.. و انثال روحاً خالصة على خطوط الجسد، فاكتشفها و أعاد تشكيلها.. ما بين صحارٍ وبحارٍ و وديان ريانة.. تشكلت بين يديه أنثى و نَمِرَة و حيّة و حواء حتى صارت ملكة سلبت تاج عشتار، فصار التاج بها أكثر اكتمالاً.. 

إنهمر العشق من عينيه مطراً روى قلبها فأزهر ورودا و نجوماً و أقماراً صغيرة.. زيّن بالورود شعرها و جيدها و يديها.. و أضاءت بالأقمار ليلهِ.. و من صدره صنع لها مخدعاً.. حفّه لها بالنجوم و الحرير و الفراشات الملونة.. و صنع لها من الغيوم البِيض وسادة و حِرام..

تقلّبا مِلء الأرض و السماء.. دار في فُلك الهوى بين ذراعيها و عينيها.. صار نبضه في قلبها.. و عينيها مرآته.. ارتوى من رحيق شِفاها و امتلأ.. و زادته عطشاً بعد ارتواء.. 

تَشَكّلت بحرارة يديه.. فانصهر.. 

و جَرى نهراً.. منبعه جيدها.. انقسم فروعاً ما بين منحنيات و خطوط.. انهمر شلالا من علٍ.. غاض في أخاديد و منخفضات.. و كان المصب بين قدميها.. فخُلقت جنة صغيرة من شجيرات و فراشات و نخيل..
  
استفاقت سلمى من نشوتها لتجد انها صارت ملكة و كوكب.. معشوقة و إلهة عشق.. يجري عاشقها و مريدها نهراً فوق أرضها.. ينمو زهورا و طيورا و نخيلاً بين وديانها.. يستقر كواحة وسط صحاريها.. 

رَنَتْ إليه و تذكرت كل مآسي العشق و العاشقين.. تذكرت الذين خانوا و غدروا.. الذين رحلوا.. الذين كفروا بها و كفَّروها.. 

بكت في صمت.. تصورته كافراً بها.. خائناً لها.. خافت و ارتبكت.. انطفأت ارتعاشات النجوم حول مخدعها.. و اربدّت الغيوم و امطرت فأغرقت الفراشات و أفزعت الطيور.. 

صحى بركان الحزن بداخلها 

زمجر متسائلاً: كيف آمنتي و أمِنتي؟! كيف سلّمتي يا سلمى؟! بدونه أنتِ ملكة شاء أم أبى.. أما معه، فقد تُباعين جارية بثمن بخس في لحظة ضجر او بطر.. ماذا صنعتي بنفسك يا سلمى؟!

صحى الرعب و الغضب.. طردوا العشق و وأدوا النشوة.. و فرّت سلمى.. من نفسها...

صرخت هامسة و هي تلملم أشلائها .. 

"أُحِبُكَ.. و لكني أخافُك.. أخاف أن تخدعني و تهجرني.. و أخاف من نفسي و عليها .. أُحِبُكَ.. و لكني لن أقدر أن أمنحك أكثر من تلك اللحظات.. لن أقدر أن أمنحك قلبي ولا عيني و لا سلامي.. حتى و إن كنت قد سرقتني في غفلة مني او نشوة.. لن تملكني.. أهرب الآن و أحمل معي ما بقى مني لكي لا أضيع.. لكي لا تضيعني.. بلا ذنب أتركك.. بلا ذنب سوى حبك.. سأموت بيدي لا بيدك.. قد تغفر لي أني خُنتك خوفاً.. ولكني لن أغفر لك أبدا أن قتلتني غدراً"

هربت سلمى.. حاملة ذنبه و ذنوبها.. و بقايا أرض و سماء و نجوم و فراشات ..

###

غداً لما أموت و أنتِ بعدي تطوفين القبور على تأنّي
قِفي بجوار قبري .. ثم قولي
أيا من كنتُ منكَ و كنتَ مني
خدعتُكَ في الحياة .. و لم أبالي
و خُنتُكَ في الغرام .. و لم تخُنّي
كذا طَبع المِلاح .. فلا زمامٌ
فُطِرنا على الخداع .. فلا تلُمْني

Window - George Tooker

* قصيدة "أرى سلمى" للشاعر العراقي محسن أطميش
 

Tuesday, November 1, 2011

حمى



تشعر بالحمى تتصاعد في جسدها بغتة و تدريجياً بخطى حثيثة... تتفكك اوصالها تمام و تشعر كأنها على وشك فقدان الوعي .. لا يبقيها واعية سوى ركوبتها الصغيرة .. تميل يميناً فتهتز معها فتفيق قليلاً... او يساراً فتنتفض كانها تستيقظ من كابوس...

تسيطر الحمى على ذكرياتها اولا .. فتفور تلك وتمور من الماضي السحيق.. تتذكر يوم أصابتها حمى مشابهة لتلك دون أي مقدمات و لا مبررات طبية واضحة او خفية .. هي وحدها كانت تعرف السبب .. 

كانت تكتم حباً فاض فصهر روحها و ثار على الجسد الضعيف يروم تصريحاً و إفصاحاً . .ولما لم يجد بياناً يفصح به، عربد في الجسد الضعيف حمى كاسحة.. يومها خافت أن تجري الحمى لسانها بما لا تستطيع معه إفصاحاً .. قاومت الإغماء و النوم و الغياب عن الوعي .. أو هكذا ظنت ساعتها .. كتمت حباً يفصح عن نفسه حمى .. و لما سمعت صوته يومها جرت دموعها دون صوت .. أججتها رنة القلق عليها في صوته .. ولما تحاملت على نفسها كاتمة الحمى و الحب سوياً لتذهب و تراه وسط الجمع المعتاد .. خذلتها عينيها .. فتوارت عنه معظم الوقت خلف نظارة سوداء .. و لما غابت الشمس .. انهارت قواها و فاضت دموعاً .. كفكفها بكلماته الرقيقة و لهفته البادية .. ولم تشف من تلك الحمى إلا يوم صرح لها  بحبه من بين ارتعاشات صوت مرتبك و عيون زائغة من الخجل و اللهفة .. فصار النيل يومها محيط لا يحمل على صفحته سواهما...  

لما تذكرت تلك الحمى .. اندهشت انها لم تصب بأي شيء حين مات الحب! هل كان الحب فيروساً تداعى له الجسد بالسهر و الحمى مقاومة و دفاعا عن القلب الغرير؟! ضحكت متعجبة من تلك التخاريف و لماذا تذكرتها الآن .. هل تشابهت عليها الحمى؟!

لا يمكن لتلك ان تشبه هذه بأي حال من الأحوال .. فاليوم لم يولد حب ولا مات .. فقط إنطفأ قنديل كانت تتجمع حول ضوؤه فراشات ملونة أحياناً .. و كثيرا بعوضات تلدغها لدغات مؤلمة .. كثيرا ماكانت تنير ذبالته جزء من احد جنبات الطريق .. ولكن ظلت بقية الطريق معتمة .. حاولت إذكاء جذوته .. و فشلت .. فانطفأ .. فمالها الحمى تغزو جسدها اليوم؟!

لمن تتصدى يا جسدي المثخن بالجراح؟ للجراح القديمة التي تستبيح الأيام نكأها .. أم لجراح جديدة مقبلة؟ 

تتذكر المقولة "جرح فوق جرح .. لا أدري أيهما أشد إيلاماً؟!*" فتفكر: حقأ أيهما أشد إيلاماً؟! الموت أم الحياة؟
تباً للحمى و تهريفها .. أين الحياة من راحة الموت؟ و أين نحن منها؟! 

تميل بها الركوبة فتنتفض كأنها تستيقظ من كابوس .. و هل حقا استيقظت؟ إذا لما لا ترى صورة للطريق ولا للسيارات و لا للعابرين؟ مالهذا الظلام يمتد و يترامى و يبتلع كل نور؟! تميل الركوبة مرة أخرى .. ولكنها لا تنتفض هذه المرة...


----
* محمد المنسي قنديل


Tuesday, September 20, 2011

صـخــب


تفيق من نوم مؤلم ولكنه - للحظ الحسن - خالٍ من الأحلام، كعادة نوم المواصلات الذي هو فقط إستسلام لرجرجات الركوبة أي كانت لتستشعر معها و بها بعضهاً من هدوء مفتقد.. للدقة، هو استسلام لصخب أعلى من ذلك الذي يدور في رأسها فيمكنها ان تغفو دقائق قليلة و ربما زادت جرعة الحظ الحسن فتمكنت من الظفر بسويعات من النوم الصامت/المصمت...

تفيق من ذلك النوم متجاهلة مواضع الألم الحسي الموزع ما بين الرقبة و الظهر و تلك الكف المخدرة بفعل ضغط الرأس عليها .. لتستفهم سر ذلك الألم النفسي الذي غزا نومها الهاديء فطغى على صخب الركوبة و أجج صخب العقل مرة أخرى فأيقظها!

تعتدل في الكرسي مسلوبة الراحة، مرغمة على التأقلم مع تصميمه، كما هي مرغمة على التأقلم مع ذلك الزخم المفاجيء من الأفكار التي غزت عقلها.. 

ينتابها الرعب من كل تلك الأفكار المتلاحقة، التي عَلا صوتها و غطى حتى على ضجيج المجموعة المصاحبة لها في الركوبة الذين يدّعون طفولة مفقودة و مرح مسلوب بتلك الألعاب المستمرة ليل نهار ... تكاد لا تسمعهم، لا، هي حقاً لا تسمعهم من حدة الضجيج المغلف لعقلها.. 

ولما قررت ان ترفع صوت الموسيقى في آذانها علّها تخفف من وطأة ذلك الصخب .. جاءها الصوت الإفريقي يغني:

One day i'll fly away... Leave all this to yesterday

بهتت لتطابق الصوت المسموع مع الصوت الأعلى في عقلها .. أود الرحيل .. أبداً .. لا  أرغب في الرجوع ولا العودة .. ليس لدي ما اعود إليه سوى مزيد من الصخب .. و الغضب .. و الألم!

أين المفر؟!

تتوارد الأفكار على خاطرها باندفاع كتوارد قطيع جاموس وحشي على مورد ماء بعد موسم الجفاف .. تتدافع فيما بينها بهمجية .. تدهس عقلها دهساً .. تطأ شذرات من روحها في الطريق

تزداد الوطأة على روحها فتفقد ملامحها أي تعبير و تجلس صامتة .. تشعر كأن ضجيج أفكارها مسموع للعالم .. تأسف انهم مضطرون لتحمل ذلك الصخب و تود لو اعتذرت منهم .. تزداد صمتاً

تتسائل: ما كل هذه الوحدة وسط هذا الجمع من الناس؟ و كيف ازدحمت الصحراء بهذا الصخب فلم تهنأ بالهدوء ولو دقيقة واحدة؟ تتشتت ما بين وحدة الصخب و صخب الوحدة فتشعر بعقلها يكاد يذوب و يتساقط من عينيها دمعاً...

تزداد صمتاً.. 

تأتيها تربيتة على الكتف من صديقة تتسائل: "ماذا بكِ؟" .. تبتستم و تتصنع كل ما يمكن تصنعه من حجج و إدعاءات كاذبة و هي تفكر " كم كنت أتمنى لو كنتَ انت من حملت لي تلك التربيتة و ذلك التساؤل!"

يستمريء عقلها، المتمرد عليها اليوم، اللعبة فيتمادى في التساؤلات.. "هل تفتقدينه ام تتسائلين استدعاء لمزيد من الغضب عليه؟"

و يصمت الصخب لوهلة قصيرة جدا .. فلا تكاد تجيب عقلها حتى يلاحقها بسؤال آخر "هل هو حقاً من تفتقدين ام انك توهمين نفسك بذلك؟!" 

تصرخ بشفاة مزمومة "أفتقد الأمل في وَنَسٍ و حميميةٍ مفقودة من قديم الأزل بيني و بين كل من مروا بحياتي، و لم أجد بين يدي إلا حبات رمل الصحراء تسكن خطوط كفي و لوهلة ثم تتركني مرة أخرى وحيدة .. أفقتد شعوراً بالانتماء لا يعلم و لم يعلم عنه أحد شيئاً لأنه لا يمكن لأحد أن يكون سكناً و هو مشرد الروح .. أفتقد ظهراً و سنداً .. أفتقد ذلك الذي لا يجيء أبداً و لا يترك لأحلامي فرصة البحث عن غيره .. أفتقده و اذوب لهفة إليه في ملامح الناس و بين خطوط أكفهم .. تهيم يداي مشردة ما بين كفوف الناس تبحث عن السكن .. تبحث عن المودة .. تبحث عن الرحمة .. ولا أجدها .. هذا ما أفتقد! فكفاك نكئا لجراح أجاهد نفسي كي تندمل" 

و لا يصمت الصخب كطفل عنيد متمرد يأبى الترويض و الاستكانة .. أجاهده يوما او بعض يوم .. عُمراً أو بعض عمْر

أجاهد روحي ألا تبكي .. أن تدعي القوة كعهدها دوماً .. أحثها ألا تنكسر .. 

أرجوكِ يا روح ألا تكوني هشة .. لا تتعلقي بقشة إنسانية تذروها الرياح و لا تملك من أمرها شيئاً .. كل هؤلاء البشر هم قش! لا تنتظري منهم سنداً او سكناً .. فكيف للقش أن يحمي ساكنيه من عواصف الدهر .. كيف للقش أن يسند الظهر؟!

أرجوكِ يا روح ألا تزدادي غضباً و نقمة عليهم .. هم أرواح هائمة .. تنشد السلام و الرحمة .. فقط هم لا يعرفون كيف يمنحوه لبعضهم فيزدادون تيهاً و تشرداً.. و يزدادون تدافعاً على أي سراب قد يبدو للناظرين كماء الرحمة .. لا تنقمي عليهم .. ولا تنقمي على نفسك .. إهدأي و استمسكي بمزيد من الصبر عسى الله أن يقضي أمراً كان مفعولاً
******

رسالة:

كم تمنيت لو كانت كلماتي عنك .. أو إليك .. 
و ها أنا اليوم أكتب عنك و إليك .. ليس بي اليوم غضب عليك رغم الخذلان و الصفعة الحارقة التي مازالت أذني تطن بها و عقلي يردد صداها .. لا أملك سوى دعاء أوجهه لله عساه يتقبله و يسبغه عليك:

"اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً ..
امنحه سلاماً ينير بصيرته .. فيرى النور بين عينيه .. و بين كفيه .. يهتدي به و يهدي
امنحه سلاماً ليَرضى .. اجعله سلاماً ليُرضي .. امنحه سلاماً ليهدأ.. اجعله سلاماً ليَقوى
اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً"