عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Wednesday, September 21, 2011

تلك الصباحــات المبــهجــة

"أصل الصبح دا ليه بهجة خاصة
مناقشات الصبح والفطار الصبح وانك تفطري مع حد الصبح
دا موود تاني خالص"
 توقفت عن الإنصات بعد تلك الجملة.. و ان كانت استمرت في الرد على بقية الكلام، إلا ان عقلها قد شرد بعيداً مع صباح مثل ذلك..

يحادثها ذلك الصديق عن بهجات صباحية مع أصدقائه .. أما الآخر فيحادثها عن ابتهاجه هذا الصباح لأنه نجح في حل مشكلة لديه .. ترد على هذا و ذاك و عقلها "معه".. 

تتخيل بهجة أي صباح يبدأ بصوته .. بكلماته .. بوجوده....

تغمض عينيها فتراه قريباً منها .. تكاد تلمسه .. تسمع صوته .. يغشيها ضياء ابتسامته .. 

تراه أمامها .. يحاورها بدلا من هؤلاء الأصدقاء .. يخبرها عن بهجاته الصباحية التي تتلخص في وجودها .. فقط!

تراه يجلس إلى طاولة فطور جهزتها بنفسها .. بعد ان صنع لهما القهوة بيديه .. يرشف منها فيصنع وجهاً مضحكاً لأن القهوة سيئة الطعم لسبب لا و لم يعلمه أي منهما .. يضحكان ملء القلب و يحتسيان الفنجانين حتى الثمالة .. ولا يهم ان كان للقهوة طعم سيء ام لا .. يكفي طعم الكلام بينهما..

تراه يصحبها لتمشية على النيل صباحاً قبل استيقاظ المدينة العتيقة و اختناقها بأنفاس قاطنيها و عوادمهم .. يمشيان متمهلين .. صامتين صوتاً .. صاخبين فكراً .. حتى انهما يضحكان سوياً فجأة .. و ينظران لبعضهما .. فيحتضن يدها بكفه .. و يحملها هي بين عينيه .. و يكملا سيرهما بنفس الصمت و الصخب

تراها تلتف على نفسها كقطة هانئة، تقرقر، تسند رأسها على كتفه و هو يقرأ الجريدة .. فيتلو عليها خبراً سياسيا مضحكاً و  يظلا يضحكان من القلب حتى بعد أن يلقي الجريدة و يضمها إليه أقرب بذراع و بالأخرى يهديها الوردة التي اقطتفها لها خصيصاً قبل الفجر... 

تفيق من أحلامها الصباحية، مبــتــهــجــــة.... 

حاملة ابتسامته على شفتيها.. ملامحه في عينيها .. صوت ضحكته و كلماته مازال يتردد في عقلها .. 

تأخذ شهيقاً عميقاً و هي مبتسمة و نصف مغمضة .. فتعبق رئتيها بعبيره...

تفرك كفيها على سبيل العادة لتزيل عنهما برد مكيف الهواء .. فتجدهما دافئتان من حرارة كفه...

تخرج من مكتبها مبتسمة .. تكاد لا تحملها الأرض من الـــــ 

بـــــهـــــجــــــة

Morning Joy - Amy Chapell

Tuesday, September 20, 2011

صـخــب


تفيق من نوم مؤلم ولكنه - للحظ الحسن - خالٍ من الأحلام، كعادة نوم المواصلات الذي هو فقط إستسلام لرجرجات الركوبة أي كانت لتستشعر معها و بها بعضهاً من هدوء مفتقد.. للدقة، هو استسلام لصخب أعلى من ذلك الذي يدور في رأسها فيمكنها ان تغفو دقائق قليلة و ربما زادت جرعة الحظ الحسن فتمكنت من الظفر بسويعات من النوم الصامت/المصمت...

تفيق من ذلك النوم متجاهلة مواضع الألم الحسي الموزع ما بين الرقبة و الظهر و تلك الكف المخدرة بفعل ضغط الرأس عليها .. لتستفهم سر ذلك الألم النفسي الذي غزا نومها الهاديء فطغى على صخب الركوبة و أجج صخب العقل مرة أخرى فأيقظها!

تعتدل في الكرسي مسلوبة الراحة، مرغمة على التأقلم مع تصميمه، كما هي مرغمة على التأقلم مع ذلك الزخم المفاجيء من الأفكار التي غزت عقلها.. 

ينتابها الرعب من كل تلك الأفكار المتلاحقة، التي عَلا صوتها و غطى حتى على ضجيج المجموعة المصاحبة لها في الركوبة الذين يدّعون طفولة مفقودة و مرح مسلوب بتلك الألعاب المستمرة ليل نهار ... تكاد لا تسمعهم، لا، هي حقاً لا تسمعهم من حدة الضجيج المغلف لعقلها.. 

ولما قررت ان ترفع صوت الموسيقى في آذانها علّها تخفف من وطأة ذلك الصخب .. جاءها الصوت الإفريقي يغني:

One day i'll fly away... Leave all this to yesterday

بهتت لتطابق الصوت المسموع مع الصوت الأعلى في عقلها .. أود الرحيل .. أبداً .. لا  أرغب في الرجوع ولا العودة .. ليس لدي ما اعود إليه سوى مزيد من الصخب .. و الغضب .. و الألم!

أين المفر؟!

تتوارد الأفكار على خاطرها باندفاع كتوارد قطيع جاموس وحشي على مورد ماء بعد موسم الجفاف .. تتدافع فيما بينها بهمجية .. تدهس عقلها دهساً .. تطأ شذرات من روحها في الطريق

تزداد الوطأة على روحها فتفقد ملامحها أي تعبير و تجلس صامتة .. تشعر كأن ضجيج أفكارها مسموع للعالم .. تأسف انهم مضطرون لتحمل ذلك الصخب و تود لو اعتذرت منهم .. تزداد صمتاً

تتسائل: ما كل هذه الوحدة وسط هذا الجمع من الناس؟ و كيف ازدحمت الصحراء بهذا الصخب فلم تهنأ بالهدوء ولو دقيقة واحدة؟ تتشتت ما بين وحدة الصخب و صخب الوحدة فتشعر بعقلها يكاد يذوب و يتساقط من عينيها دمعاً...

تزداد صمتاً.. 

تأتيها تربيتة على الكتف من صديقة تتسائل: "ماذا بكِ؟" .. تبتستم و تتصنع كل ما يمكن تصنعه من حجج و إدعاءات كاذبة و هي تفكر " كم كنت أتمنى لو كنتَ انت من حملت لي تلك التربيتة و ذلك التساؤل!"

يستمريء عقلها، المتمرد عليها اليوم، اللعبة فيتمادى في التساؤلات.. "هل تفتقدينه ام تتسائلين استدعاء لمزيد من الغضب عليه؟"

و يصمت الصخب لوهلة قصيرة جدا .. فلا تكاد تجيب عقلها حتى يلاحقها بسؤال آخر "هل هو حقاً من تفتقدين ام انك توهمين نفسك بذلك؟!" 

تصرخ بشفاة مزمومة "أفتقد الأمل في وَنَسٍ و حميميةٍ مفقودة من قديم الأزل بيني و بين كل من مروا بحياتي، و لم أجد بين يدي إلا حبات رمل الصحراء تسكن خطوط كفي و لوهلة ثم تتركني مرة أخرى وحيدة .. أفقتد شعوراً بالانتماء لا يعلم و لم يعلم عنه أحد شيئاً لأنه لا يمكن لأحد أن يكون سكناً و هو مشرد الروح .. أفتقد ظهراً و سنداً .. أفتقد ذلك الذي لا يجيء أبداً و لا يترك لأحلامي فرصة البحث عن غيره .. أفتقده و اذوب لهفة إليه في ملامح الناس و بين خطوط أكفهم .. تهيم يداي مشردة ما بين كفوف الناس تبحث عن السكن .. تبحث عن المودة .. تبحث عن الرحمة .. ولا أجدها .. هذا ما أفتقد! فكفاك نكئا لجراح أجاهد نفسي كي تندمل" 

و لا يصمت الصخب كطفل عنيد متمرد يأبى الترويض و الاستكانة .. أجاهده يوما او بعض يوم .. عُمراً أو بعض عمْر

أجاهد روحي ألا تبكي .. أن تدعي القوة كعهدها دوماً .. أحثها ألا تنكسر .. 

أرجوكِ يا روح ألا تكوني هشة .. لا تتعلقي بقشة إنسانية تذروها الرياح و لا تملك من أمرها شيئاً .. كل هؤلاء البشر هم قش! لا تنتظري منهم سنداً او سكناً .. فكيف للقش أن يحمي ساكنيه من عواصف الدهر .. كيف للقش أن يسند الظهر؟!

أرجوكِ يا روح ألا تزدادي غضباً و نقمة عليهم .. هم أرواح هائمة .. تنشد السلام و الرحمة .. فقط هم لا يعرفون كيف يمنحوه لبعضهم فيزدادون تيهاً و تشرداً.. و يزدادون تدافعاً على أي سراب قد يبدو للناظرين كماء الرحمة .. لا تنقمي عليهم .. ولا تنقمي على نفسك .. إهدأي و استمسكي بمزيد من الصبر عسى الله أن يقضي أمراً كان مفعولاً
******

رسالة:

كم تمنيت لو كانت كلماتي عنك .. أو إليك .. 
و ها أنا اليوم أكتب عنك و إليك .. ليس بي اليوم غضب عليك رغم الخذلان و الصفعة الحارقة التي مازالت أذني تطن بها و عقلي يردد صداها .. لا أملك سوى دعاء أوجهه لله عساه يتقبله و يسبغه عليك:

"اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً ..
امنحه سلاماً ينير بصيرته .. فيرى النور بين عينيه .. و بين كفيه .. يهتدي به و يهدي
امنحه سلاماً ليَرضى .. اجعله سلاماً ليُرضي .. امنحه سلاماً ليهدأ.. اجعله سلاماً ليَقوى
اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً"

Wednesday, June 15, 2011

دروس العام الجديد

أجلس بداخل ركوبتي الزرقاء الصغيرة ..  أكاد أود لو أطير فوق الشوارع و الناس والزحام .. لا أريد أن أرى أحداً

تصحبني ركوبتي و موسيقاي المفضلة .. و تحلُّ أفكاري ضيفاً ثقيلا على تلك الصحبة البسيطة

تنساب الموسيقى مؤلمة مثيرة لمزيد من أشجان الفكر و القلب .. تنساب معها دموعي

أكرر على نفسي ما دار من مكالمات و مناقشات .. و اكرر ما أَظْلَمَ علي بهجة يومي التي كنت استحثها و استجديها من الزمن

أتذكر تلك المقولة: "هذه الأعمار المتعددة هي أيضاً خيبات أمل متعددة"* .. و أفكر .. إن كل عام يمر هو عمر مستقل بخيباته و انكساراته و خِذلانه

ربما يحدث خطأ في النظام هنا أو هناك .. في لحظة أو سواها .. تتسبب في إضفاء بعض النور على الأيام الكابية المتكررة .. و لكن ذلك ليس أكثر من "خطأ في النظام" سرعان ما يصل به تقرير فيتصحح الخطأ و تسير الأمور على النهج المعتاد من تكرار لخيبات الأمل و الخِذلان .. فتستقر الأمور .. و يستقر النظام .. و تزداد النفس اختلالاً

تنساب دموعي بانتظام و هدوء فأرى الصورة أوضح .. هكذا الحال في كل مرة .. و لكن الخطأ هذه المرة في الصورة التي أراها

أحاول نفضها عن رأسي و التوقف عن البكاء .. بلا نجاح حقيقي .. و لماذا عساي أنجح في هذا الأمر دون غيره مما فشلت فيه و أفشل فيه على الدوام؟!

تتكرر الأحداث ثانية في رأسي .. و تدور الكلمات في فضاء الركوبة الصغيرة رنانة .. مدوّية .. ترجِّع نفسها كصدى صوتٍ يتزايد و يتضخم ولا يذوب في الهواء كما ينبغي له

أنظر في الساعة و أراها تقارب منتصف الليل ... أفكر .. هل قضيت أبداً تلك الساعات وحدي مثل اليوم؟! .. فيرد عقلي علي أنه لابد لكل شيء من مرة أولى .. و لابد أن تعتادي الأمر من الآن فصاعداً .. كل عمر/عام جديد ستمر عليك تلك الساعات و انت وحيدة

أمسك بهاتفي لأفتحه .. أتذكر آخر مكالمة تلقيتها عليه .. أفكر .. لماذا أفتحه؟ لماذا أعود للمنزل؟ لماذا عدت من زرقتي الأثيرة؟ لماذا وُلدت؟

أنا على يقين أني حية .. لا يمكن لكل هذا الألم و الخِذلان أن يصيب الأموات .. تلك حقيقة أثبتت نفسها منذ أعمار كثيرة .. و لكن هل تجوز الحياة في فراغ؟!

أتذكر محاولاتي المستميتة طوال الأعمار الماضية لملىء ذلك الفراغ بحيوات أخرى .. أتذكر سعيي الدؤوب لرسم البسمة على وجه هذا .. و إسعاد قلب تلك .. و إضفاء بهجة بسيطة على يوم هذه .. بدون مقابل .. حقاً بدون مقابل!

أسعد لرؤياهم سعداء .. أسعد  جداً حين أرسم بسمة على وجه أحدهم ..  أسعد حين أقايض الزمن بمجهودي و فكري في مقابل سويعات من بهجة و فرح .. أسعد حين أجدني قد نجحت في تجارتي و حققت الربح المنشود

و لكن .. أليس هناك من تجار غيري يقايضون الزمن بـ "شيء" ما لأجلي؟

تصدمني تلك الفكرة فيرتج علي كياني ..

تتضاعف الوحدة و يتسع الفراغ فيشمل الكون كله .. أسقط في هاوية، أعمق من المعتاد، من خيبة الأمل ...

يتضح درس العام الجديد أمامي

"لا تأتي خيبة الأمل فقط من أن يخذل الزمان توقعاتك .. قد يخذلك الزمان من حيث لا تتوقعي"

أرغب في أن أظل أدور بركوبتي بلا نهاية .. و لكن الفكرة تذكرني بشقي الرحا اللذان يدوران على رأسي فأتراجع

تذكرني الفكرة بالدوائر المفرغة التي تؤدي لنفس النهايات مهما اختلفت البدايات .. فأتضائل

تضاؤلي يذكرني بحجمي الحقيقي .. ينبّهني له .. أصرخ في نفسي " ولكني لم أظن في نفسي ما هو أحسن!! لم أبنِ أية توقعات!! لم أطلب أي شيء!!! لم أنتظر مقابلاً يوماً من أحد ولا من شيء!! أيها الخذلان أنا لم أعط لتوقعاتي سقفاً، بل قتلتها و وأدتها و عشت بلاها .. ماذا تريد مني؟!!!"

تجاور كل من الزمان، و الخذلان و الفراغ و الوحدة .. كزبانية جحيم ... حدّقوا فيّ بوجوه بلا ملامح .. بل متغيرة الملامح .. تحمل كل ثانية ملامح مختلفة لشخص ما .. شيء ما .. مر بأعماري ليحولها لخيبات أمل متكررة .. و ابتسموا بشماتة و ظفر

فازداد تضاؤلي .. و انكمشت تحت دموعي .. و صمتّ 
_______

أحاول تجاوز تضاؤلي الرابض أمام عيني منذ الليلة الماضية ..  أحاول ان أسمو فوقه

أفكر: "اليوم يوم جديد .. بداية عمر جديد .. لن أبني له توقعات .. و لن انتظر منه شيئا ما .. ولا من أحد"

أتجاوز حادثات الأمس و استعد للخروج منها و من أفكاري

تتعقد الاحداث .. و تتطاير الأفكار كالرصاص .. فتغتال حتى الصبر

أظل ادور في دوائري المفرغة .. تدور بي بلا رحمة .. ما بين شوارع .. و وجوه غريبة .. رغبة في البكاء .. ذكريات تستدعى لسطح العقل فتنكأ جروحاً قديمة .. كما لو أن الحديثة لا تكفي و تزيد!

ما يقرب من يوم و أنا أدور في تلك الدوائر .. أفقد توازني تماماً .. و أفقد معه الاتجاه

فأجهش في بكاء حار .. و أفكر .. هل لن يكون لي من رفيق  سوى ركوبتي و شارع قاس جَهِم و أفكاري؟

لبئس تلك الرفقة!! ...

إنضم النشيج لهم ... فغامت الرؤية أمامي تماماً .. و غابت المرئيات .. و بدا الطيران من فوق حاجز الطريق السريع كفكرة ظريفة جدا .. لولا أنها لتزعج بعض الغافلين .. او قد تذكر "بعضهم" بي .. لنفذتها فورا

و لكني آثرت راحتهم .. و انضممت لدائرة الرفقاء .. الخذلان و الفراغ و الزمان و البكاء و الوحدة

و نِمت لا ألوي على حلم

---
* محمد المنسي قنديل

Tuesday, June 7, 2011

الإنتظار ... مرة أخرى





أن تنتظر وقتاً محدداً لتبدأ فيه الكتابة ... بعد أن تنهي هذه المسألة او تلك .. تلك المكالمة او تلك

ان تنتظر لحظة إلهام .. وقت فراغ .. او حتى مجرد لحظات من هدوء لتبدأ رسم تلك اللوحة

أن تنتظر بداية الأسبوع .. الشهر .. او حتى غداً لكي تبدأ مشروع ما .. او حتى حمية غذائية

أن تنتظر نقطة محددة من البعد الرابع لكي تتحقق فيتحقق معها هدف ما او حلم ما

يعني ان تنتظر طويلاً جداً

حتى و إن دام انتظارك لحظات في عمر الزمن ... 

قم الآن و انهض .. اسع وراء حلمك .. وراء الكلمة .. وراء الخط و اللون .. لا تنتظر 

فقد تضيع منك الكلمة .. او الفكرة .. قد تنسى ما كنت تود ان تقول .. قد تضيع منك الصورة التي تود رسمها إلى الأبد .. او قد ترسمها بعد فوات آوان اهدائها لمن يقدرها

فهذا ما يحدث لي كل مرة أنتظر فيها تلك اللحظة المناسبة .. دوماً ما تضيع مني الفكرة .. و الكلمة .. و حتى الحلم

إلا أنت.....

فبرغم طول انتظاري لك... مازلت لم أفقد صورتك ... مازلت لم أنس طيف ملامحك التي أظل ارسمها و أدققها و احفرها في باطن عقلي .. فتزداد صورتك اتضاحاً مع طول الانتظار!

ومازلت أنتظرك...

لو تعرف انك الرجل الأوحد على الأرض - او ربما في السماء - الذي أحلم بيوم أضع عمري بين يديه

و ارسم ملامحي في عينيه .. و أنصهر و انسكب بين خطوط كفيه

لو تعرف انك وحدك تملك مفاتيحي .. و أسراري .. و ان كل من مروا بحياتي لم يصلوا حتى لكونهم اشباح ظلك

لو تعرف اني انتظرك وحدك دون سواك....

لما أطلت انتظاري.....

Tuesday, May 24, 2011

عروسـة

"فوزية اتجوزت!!"

هكذا ظلت تفكر لنفسها حين رأت تلك الطفلة الصغيرة التي شبت فجأة عن الطوق فوجدتها أمامها عروس بهية الطلة

مازالت تذكر برائتها و هي تحكي لها ما بدا كتباشير قصة حب

مازالت تذكر بداية صداقتهما .. مازالت تذكر حين تحولت الصداقة إلى أمومة .. او الأمومة إلى صداقة .. هي لا تذكر الآن أيهما جاء اولاً

تابعتها بعينيها في ذلك الفستان القصير و هي ترقص بين رفيقات صباها .. مازلن هم نفس البنات الصغار اللاتي كن يضعن الشرائط البيضاء في ضفائرهن .. لم يطرأ عليهن أي تغيير!

هل حقاً كبرت هكذا؟ هل حقاً في خلال يومين تصير امرأة؟

هل سأفقد تلك الطفلة الصغيرة إلى الأبد؟

"باق من الزمن يومان"

رنت العبارة في عقلها فجزعت ... يا إلهي! يومان و لن أستيقظ على وجودها معي بالمنزل!! يومان و ستغيب بهجتها و بسمتها و حتى غضبها عن البيت!!

يومان و ستغيب الطفلة في رحلة - قصرت او طالت - و تعود بعدها إمرأة!! هل سأعرفها ساعتها؟ هل ستجد طريقها إلى ذراعي كما اعتدت أم ستضل عني طريق لذراعي الحبيب؟!!

يومان؟!!!!

مالها ترقص هكذا فرحة؟!! هل تفرح لتركها إياي بعد ان قدمت لها كل تملك من وجود في الحياة؟!

يا سلااااام!!! أتفرحين لقرب لقائك به ولا تبكين لبعدك عني؟!!!

هل حقاً تملكين ذلك القلب الجاحد؟!! و من أين لك به؟! هل لقنتك هذا الجحود؟ ام لقنك هو إياه؟!!

نقمت عليه أيما نقمة.. و غضبت منها شديد الغضب!!

اعتملت بداخلها مشاعر شتى .. غاضبة هي من تلك الصغيرة الجاحدة التي تترك قلبها و ضمّة ذراعيها لقلب رجل غريب و ضمّته .... التي تترك بيت أبيها الذي آواها و حرص عليها كل تلك السنوات و تستقبل بكل هذه الفرحة بيت رجل غريب

لم تقدر على تحمل تلك المشاعر وقت أطول .. فتوجهت إليها .. اقتربت من دائرة البنات الراقصات الفرحات - هؤلاء الجاحدات لأمهاتهن مستقبلاً - اللاتي يحاولن هباء جذبها لدائرة الرقص معهن  و معها و هن لا يدركن ما يعتمل في قلبها من رعب و فزع و على الطفلة الصغيرة .. و ما يزلزل كيانها من غضب تجاه المرأة التي ستعود لمنزلها ضيفة، متعجلة الرحيل دوماً .. "لا تحب البقاء بعيداً عن بيتها وقت طويل" .. تلك المرأة التي - مع رجل غريب - ستسرق منها طفلتها/صديقتها/ إبنتها إلى الأبد

نحّت جانبا في حدة كل تلك الأيدي الفرحة/الجاحدة التي تحاول جذبها للرقص .. مالكن فرحات هكذا بضياع ابنتي/صديقتي مني!! عليكن اللعنة جميعاً!! غداً - أيتها الجاحدات - تحرقن قلوب أمهاتكن بجحودكن و فراركن بنفس ذات الفرحة متسللات أثناء الرقص لبيوت بعيدة و أذرع رجال غرباء!!

اتجهت لها مباشرة غير عابئة بضجتهم و رقصهم .. انتزعتها من رقصها على تلك الأغنية السريعة الايقاع غير مفهومة الكلمات ..
مدت لها يديها بامتداد ذراعيها ... و ضمتها طويلاً طويلاً .. بكل ما أوتيت من عزم و من خوف و من حب و لهفة و افتقاد - بدآ مبكرا جدا - ضمتها طويلاً طويلاً

و لما تسارعت الدموع إلى عينيها .. شعرت بمزيد من الفزع على غياب طفلتها .. و مزيد من الحنق على الرجل الذي سيسرقها منها .. و مزيد من الإفتقاد و اللهفة

فنظرت إلى وجهها دامعة .. و استلبت ابتسامة من اعماق هلعها .. و انفجرت في زغرودة طويلة جداً

 

بنـت وحيــدة في بيـت الكُـوَّر

○"ماما .. انا عاوزة اروح بيت الكُوَّر" 

-" طيب خلصي أكلك الأول وبعدين نروح"

إلتهمتْ ما استطاعت إليه سبيلاً من الطعام .. و تقافزت فَرِحه متوجهة ناحية الملاهي و عينيها مركزة على بيت الكُوَّر المنشود

ظلت تتقافز طوال المسافة إلى الملاهي .. تملأ الفرحة خطواتها و عينيها و ملامحها الدقيقة

- " يلّا إدي عمو الفلوس"

ناولت "عمو" النقود بلا صبر تقريباً

توجهت مع امها ناحية البناء الإسفنجي الشبكي .. و بدأت القفزات تتناقص

و تبدلت فرحتها تردد .. و تضائل حجم الابتسامة على شفتيها

خلعت صندلها الوردي الصغير ذي الوردات البيضاء .. تخطت المدخل .. ثم توقفت

إلتصقت بالحائط الشبكي .. و بدأت في تردد تسلُق الدرجات الإسفنجية

درجة .. و أخرى .. ثم انزلقت راجعة لحائطها الإسفنجي و إزداد إلتصاقها به .. و اختفت الابتسامة تماما من ملامحها

- "وقفتي ليه يا حبيبتي"
 
○"...." ... و نظرة حائرة!

- "روحي يلّا إلعبي!"

○"أصل ... أصل البنت اللي هناك خبطتني!"

- "معلش هي ماتقصدش ..  لفي من حواليها و إلعبي إنتي"

و لما وجَدَتها صامتة لا تتحرك، إلتفتَتْ لي في ملل

- " سيبك منها و تعالي نروح نقعد"

* "لأ!" ثم وجهت كلامي إليها: *"يلا يا نونو روحي إلعبي يا حبيبتي"

سددت لي نظرة لم يكن ليفهمها - أبداً - سواي على وجه الأرض!

ألْغَتْ عِقدين أو أكثر من العمر .. و رأيتُ في المرآة .. تلك البنت الوحيدة في بيت الكُوَّر .. او على الشاطيء .. أو عند الأرجوحة .. او في فناء المدرسة ..

تقف حائرة .. تنتظر من يناديها لتلعب .. من يشجعها على اللعب .. من يهلل لها لو ارتفعت بها الأرجوحة، أو قفزت عالياً بلا خوف لتغوص بين الكوَّر ..

تنتظر من يخبرها انه لا داعي للخوف من بقية الأطفال .. و لا ضير إن لمسوها أو احتكوا بها! لا ضير على الإطلاق!!

تنتظر من يخبرها أنه لا ضير من مشاركة الغرباء في فرْحات صغيرة .. في لحظات من بعض لهو

تنتظر من يخبرها ألا تقلق من وجود آخرين في العالم!  و أنه ليس من الضروري ان تعرفهم جميعهم ..و أنهم مثلها .. صغار يمرحون .. و انهم قد يحبونها و يشاركونها اللعب!

*"يلّا يا حبيبتي .. يلّا .. إطلعي يلّا من هنا .. و إجري هناك بسرعة و بعدين اتزحلقي و ارجعي تاني .. يلّا"

غلّفتْ عبارتها بكل ما تملك من مرح .. و كل ما أوتيت من قوة .. و ارتدتْ افضل ما لديها من أقنعة الفرح .. و لونت عينيها ببريقه

طفقت تصفق لها مشجعة بأقصى ما لديها من عزيمة  .. و قدرة ... على التماسك!

و حين راودتها الابتسامة مرة أخرى .. و بدأت في حث خطواتها و نفسها المترددة على التقدم .. استمدت منها مزيداً من العزيمة .. و شجعتها بحرارة أكثر

-"تعالي بقى نروح نقعد وسيبيها هي هتلعب لوحدها"
*"لأ! خلينا معاها" 
-"ليه ماهي بتلعب أهي!!"
*"أصل انا كنت زيّها"

و أدارت وجهها بعيداً عنها .. مختبئة خلف مزيد من التشجيع و التصفيق .. محاولة مداراة تلك النظرة الحائرة على وجه البنت، التي مازالت - بعد كثير من الزمن - تنتظر ان يأتي أحدهم ليخبرها أنه ليس ضرورياً أن تعرف كل هؤلاء الغرباء من حولها .. و أبداً لن تعرفهم!

و أنها مازالت تنتظر أن يدعوها أحدهم لتلعب!

 

بنـت حـارتنـا

بلوزة خضرا فيها خطوط دهبي .. على جيبه حمرا او يمكن زرقا .. مش فاكرة

لكن اللي متأكدة منه الشعر الكستنائي الفاتح .. مِلبِّك صحيح و منعكش .. بس كان مضموم في ديل حصان .. و حتى التلبيكة ما خبتش انه في الأصل ناعم و ما خبتش لونه

و اللي برضه متأكدة منه العيون العسلية .. الشقية جداً .. يمكن شقية اكتر من نَطّتها قدامي فجأة

مدت لي ايدها بكيس مناديل .. ضحكت لها .. أصلي لقيت عينيها بتضحك اوي .. ضحكتني شقاوتها .. طبطبت عليها و قلت لها شكراً

مشيت انا و اصحابي ورحنا نقعد ع القهوة .. و قاعدين بنتكلم في السياسة - طبعاً! هو فيه غيرها اليومين دول!! - و منهمكين اوي

و لقيت ايدين بتتلف حوالين رقبتي .. و بوسة شقية بتتحط على خدي

و اتعلقت في رقبتي تبص لي و في عينيها، قبل شفايفها، أحلى ضحكة ممكن تقابل حد .. قعدت جنبي و علقت ايدها في دراعي .. جم بنات تانيين من سنها .. قعدوا يحكوا لي خناقة دارت بين اتنين منهم .. و مين امها ضربتها بسبب الخناقة دي .. و فضلنا نرغي انا و هم لحد ما صالحتهم على بعض

نسيت اصحابي .. و نسيت كنا بنقول ايه .. و حسيت اني قدهم .. كانت كل شوية تحط على خدي بوسة و تاخد قصادها شوية سنين لحد ما بقيت قدها بجد .. طولها .. من حارتها .. بقيت صاحبتها .. دخلت في حكاياتها .. ماهي  - وهم - ماكانوش عايزين غير كده! عايزين حد يسمعهم .. حد يضحك معاهم 

طبطبت عليها بإيدي .. حضنتني بضحكتها .. اخدتني من ايدي لبراءة كنت نسيتها .. أخدتني من ايدي لعالمها .. دقايق قليلين .. كانت بس عايزة تقول: "انا هنا، شايفاني؟!" .. و كنت شايفاها .. و لسه شايفاها

 قلت لهم "خلوا بالكم، اوعى حد يضحك عليكم! اوعى حد يقول لكم تعالوا معايا و تروحوا" .. حسيت بخوف عليهم .. صِعب عليا عمرهم اللي بيتبعتر مع تراب الحارات اللي بيلفوا فيها يبيعوا المناديل .. و فرحت لما عرفت انهم بيروحوا المدرسة .. قلت أهو شوية أمل، صحيح يمكن مش هيحييهم، لكن اكيد مش هيموتهم.

و انا ماشية سابت لي هدايا كتير .. حضن دافي .. خمس بوسات .. ضحكة شقية بصوت فيه بحة و أشقى منها في عيونها العسلية .. و منديل ريحته حلوة

بنــــات

د
د 
 للبنات حكايات .. و البنات حكايات
د
د 
ورا كل ضحكة حكاية
د
د
 ورا كل دمعة .. و كل فرحة .. و كل غضبة .. وكل خيبة أمل .. و كل نجاح 
 د 
د
  حكاية 
د
 د
 و حكايات البنات ما بتخلصش 
د
د
  يمكن كل مدة .. أحكيلكم منهم .. كام حكاية 
د
 د

Monday, June 14, 2010

من دفتر امرأة عشوائية

د د 
"أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين و الشهور و الأيام و اللحظات الحلوة و المرة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟" * 
د د ----------- د د 
الدفتر الثلاثين: د في تمام الورقة الثلاثمئة و الخامسة و ستين من الدفتر الثلاثين، تقف المرأة العشوائية حائرة امام هذا السؤال؛ كيف تسلك في الدنيا؟
 

مادامت الصُدف أقدار و الأقدار محض صُدف .. أو هكذا تبدو ... مادامت المسلمات كذب و الإحتمالات مبهمة و الأكاذيب مؤكدة 
د 
كيف تسلك في الدنيا؟ 


إنها حتى لا تملك ان تسمي نفسها "إمرأة" حقا! لو فعلت لوصمت نفسها إلى الأبد 
  و لكن الأمر الأكيد انها لم تعد طفلة ايضاً .. فأين تذهب؟ أين المكان الوسط بين الـ"مرأة" و الـ"طفلة" الذي يمكنها اللجوء إليه؟

هل ثمة مكان يمكنها حقاً اللجوء إليه؟

تسترق نظرة إلى الدفاتر التسع و عشرين المكومة بجوار خزانتها .. مهملة متربة .. تسترجع عدد المرات التي قررت او حاولت التخلص منها .. لا يمكنها التذكر

أغلب الدفاتر يحمل صوراً .. اصفرّت و بهتت ألوانها كما اصفرت ورقات الدفاتر و بهت حبر الكلمات المنقوشة عليها د تشيح بنظرها بعيداً عن الدفاتر القديمة و تتأمل الصفحة البيضاء .. الأخيرة .. في الدفتر الثلاثين .

هل قلت البيضاء؟ أتراجع عن كلامي .. لم تحمل أي من صفحات دفاترها اللون الأبيض أبدا! ربما في الدفاتر الأولى .. لكن منذ بدأت تسجيل دفاترها بنفسها .. منذ ملكت القدرة على "الكلمة" .. لم تحمل ايها اللون الابيض
د جاءت صفحات تحمل ألوان زاهية تارة .. و تارة اخرى ألوان كابية .. و اخري قاتمة .. وربما امتدت أي هذه التنويعات اللونية على مدار صفحات ..

تلفت انتباهها الفكرة فتقوم لتبحث بين صفحات دفاترها على صفحة بيضاء .. تتردد قليلا .. تتراجع .. خوفاً من تأكدها بأن لا مكان للّون الأبيض في حياتها .. فلتبقى هكذا على ظنها بان هناك لون أبيض في صفحة ما في دفتر ما


تستدعي ذاكرتها صوراً عشوائية تقبع على صفحات دفاتر قديمة .. قد لا تتمكن من تحديد أي الدفاتر تلك التي تحفظ تلك الصور ولا لماذا طفت تلك الصور دون غيرها على سطح آخر صفحة في دفترها الثلاثون

هل لأنها تحرشت بالذاكرة اليوم تحديداً. ام ان الذاكرة هي من تتحرش بها؟
د "اهدأي بالاً يا ذاكرتي لن استسلم لتحرشات "عشوائية" المصدر .. كفاني عشوائية .. استحق اليوم هدنة .. حتى و إن كانت هي الأخرى عشوائية في وقت لا يسمح بهدنة .. و لكن استحقها .. فاتركيني لها"د

تقوم لتصنع فنجانا من القهوة .. تدرك ان الوقت تأخر .. تفكر :"لماذا اقترنت القهوة بالدخان دوماً؟ و هل يعني هذا ان علي أن أدخن؟!" تضحك لسذاجة الفكرة و تتصور نفسها بلفافة تبغ بين شفتيها يعميها الدخان فتسعل

تحاول التركيز على ألوان صفحات دفاترها .. طبعا تقصد ألوانها الزاهية .. المفرحة .. تركز على من/ما تسبب في تلوين تلك الصفحات بألوان قوس قزح .. على من حمّل تلك الصفحات رائحة الندى و البحر .. من زخرفها بنجوم ليلة صيفية رائقة رائعة ..
تتذكر من حمل إليها البهجة ملفوفة بشريط ذهبي .. او فضي .. من حمل إليها الفرحة مستترة خلف غلاف مزركش د يشاركها ذكرياتها.. من يعلم عنها جيدا انها تجلس في هذا الوقت تنتظر من يشاركها الذكرى و التذكر .. من يضيف بكلمات بسيطة لأولى صفحات دفترها الجديد

يأتي من تعلم عنهم أنهم لا يخلفون معها ميعادا .. تدعو الله ان يحفظهم .. بألوانهم التي يشرقون بها على حياتها .. كزهور دائمة لا تنتظر ربيعا او مطراً حتى تزهر

تُقبِل كلماتهم شكراً على تواجدهم و ان لم ترهم عيناها حتى حين ... يعتريها حنين .. تدمع قليلا فتخاف ان تعكر دموعها لون الصفحة الأولى من الدفتر الواحد و الثلاثين 

تتناسى سخافات اليوم الأخير .. تفكر في رحلتها القادمة .. تفكر في ماذا ستفعل غداً؟ و ماذا عن تلك الحفلة في وسط الأسبوع؟ و تلك المنتظرة يوم الجمعة؟ و متى ستلتقي صديقتها؟ و متى ستجري تلك المكالمة التليفونية الهامة المؤجلة منذ الأبد؟ يبدو ان عليها ان تنام الآن و لتترك التفكير للغد 

و بعشوائية معتادة .. تعاند قدرها العشوائي الذي كاد ان يفرض على يومها هذا لوناً كابيا دامعاً .. و تقرر أن تصير طفلة تلهو بأقلامها الملونة .. فتنثر قوس قزح على الصفحة الجديدة 

و تلصق صور أحبابها عليها .. عسى ان تتسرب إليهم بهجة الألوان التي لونوا بها دموعها فاستحالت ابتسامة .. عشوائية تبدو بين الدموع .. لكنها سعيدة

و قررت .. ان يبدأ الدفتر بالألوان .. قد تبدو للوهلة الأولى عشوائية .. و لكنها تحمل بهجة قوس قزح من خلف غيوم القدر د قررت .. أن تسلك في الدنيا .. بعشوائية .. كعشوائية الألوان .. و الغيوم .. و الأقدار د
د د
-------
* د.رضوى عاشور

Wednesday, January 20, 2010

مطاردة

يطاردني الحب هذا الصباح! د

د

د

ما بين صباح مبكر جدا على ان تترائى فيه خيالات اول اعتراف بالحب ... و بين قراءة تعطلت اكثر من مرة لرسائل عاشق استباحت حبه من لم تحبه يوما كما استحق بعد أن قتله الأعداء .. و ما بين صوت حليم و أم كلثوم! د

د

لم يتأتى لي ترتيب كل ذلك مسبقاً فقط بدأ الصباح بتلك الرؤى فقرر اليوم أن يستكمل ساعات النهار على هذا النسق. د

د

لا أشكو شيئا .. فلا شيء لدي ضد الحب! و لكني .. أشكو الذكرى .. ماذا بوسعي الآن أن أفعل بعد أن فرضت نفسها على سطح العقل؟

د

حين أستدعي الأحداث الآن، أجد أن الذكرى بدأت تحرشها بي منذ البارحة مساء وليس فجراً .. حين قرأت كلمات "كَتَبَتْها" إليه تغني له أغنية "مطربتنا" المفضلة .. ابتسمت لتشابه الأذواق مع اختلاف الأشخاص و الظروف .. فكرت أن الأغنية حقا جميلة و تستحق .. تصورت "إن كنا استمرينا هل كنت لأكتب اليه نفس الكلمات" و عدت لأبتسم أننا لم نستمر .. و أخذني عقلي بعيدا عن مسار الذكرى لمسارات أخرى أقل جموحاً و أخف وطأة

د

و فجراً ... حين استكنت نصف واعية أحاول الاستيقاظ، بالتلهي في جريدة و في صور التلفاز .. باغتني جرس الذكرى مرة أخرى .. منبهاً موقظاً ... حين ترائت امامي لحظة اعتراف اولى بالحب .. و رغم القالب الكوميدي الذي اندست فيه تلك الصورة و رغم اصوات الضحكات الملفقة التي غلفتها .. إلا ان كل ما ارتبط باللحظة من مشاعر قد ايقظ عقلي تماماً و صرت واعية للذكرى بكل ما امتلكت من حواس

د

تذكرت .. كيف يكون الحديث في بدايته عادياً و مسلياً حتى .. يبدو كحديث لا ينتوي شيئاً .. لا ينتوي أن يُغير - بعد قليل - في حياتك .. بل وفي روحك .. يبدو حديثا مسالماً بريئاً ... حتى يتلفظ الحبيب بتلك الأحرف .. التي تخرج من بين شفتيه مرتبكة .. متلعثمة .. لا تكاد تُسمع .. تتجسد امام عينيك كطفل صغير يحاول النطق .. يحاول ان يخبرك أنا هنا .. بجبين مندى بحبات الخجل .. و عيون زائغة لا تقوى على مواجهتك ... ترى الأحرف القليلة تسبح حولك فتقلب الكون المزدحم فضاءاً .. يصير الهمس أعلى صوتاً من الضوضاء المحيطة بك .. يُصمِت العالم من حولك فلا تسمع إلاه .. د

د

تشعر في اول وهلة انك لم تسمع صحيحاً.. ثم أنك لم تفهم .. ثم أنك لا تصدق .. ثم أنك لا تستطيع التنفس فجأة .. صار الهواء حروف كلماته .. و خلا عقلك الا منها .. يحاول ان يحولها لاشارت عصبية تأتي بأي رد فعل عليها .. إلا ان جسدك يأبى .. د

د

تحملك الحروف كرحم تسبح فيه آمناً فكيف لك من حراك؟! تملأ سمائك و جّوك فكيف لك ان ترى؟! تختفي اللغة من عقلك و من فوق لسانك فكيف لك أن ترد؟! كيف تأتي برد فعل و أنت مولود من توِّك .. بل مخلوق من توِّك .. تستقبل الدنيا من توِّك .. تتلمس الدنيا الجديدة المرسومة في وجه محبوب اعترف لك بوجودك من توِّك؟

و حين تتلاقى العينان لأول مرة في هذه الدنيا الجديدة .. في صمت الكون حولكما .. أقصد بينكما .. (أي كون أقصد سواكما؟!) يظل رَجع الأحرف الصغيرة يتردد و كأن ليس في اللغة سوى تلك الكلمات .. تفضحك فجأة عيناك .. و تخذلك ابتسامتك .. و تنطلق من قلبك صرخة الولادة في قلب حبيبك لأول مرة .. فتهمس باعترافك ... تخونك يداك و تنصهر لهفة لضمته .. و تخفق روحك أن تتماسك الا بين أضلعه

د

آاااه .. يالها من ذكرى تلك! كيف تعود بكل تلك الحياة و الحيوية رغم موت الموقف و أصحابه؟ أنحيها جانبا بابتسامة .. و أندهش ... هل حقاً مازلت املك تلك الفرحة؟ هل لازال بامكانها ان ترسم على وجهي ابتسامة حتى لو كانت ذكرى و خيالات لرؤى تلفازية؟ ابتسمت لشديد برائتي هذا الصباح و انطلق منتعشة في طريقي

حتى تقابلني مرة أخرى كلمات "مطربتي" المفضلة تسألني و تذكرني .. ألا تخافين مروق الشوق بجوارك بهدوء و لا تعيريه انتباها؟ ألم تعودي تخافين؟ أستواتيكي الجرأة مرة أخرى أم سيظل الخوف يحكمك و يقتل الفرحة المنتظرة داخلك؟

د

أفكر قليلاً ... هل أومن مرة أخرى؟ هل .....؟

د

و مع صوت حليم و ثوما .. و مع كلمات حب حقيقي لم يمت مع رصاص الغادرين .. أرد الآن و أقول .. ربما ... من يدري؟

د

د

Monday, November 9, 2009

قهوة الصباح

د
د
أشرب حاليا قهوة الصباح فى مكتبى البارد الخالى من الروح .. و لكن تلمؤنى دفئاً فكرة انى احادثك ..د
د استحضر وجودك الذى يشيع الحميمية و القرب .. فيمتلىء المكان بصوتك و كلماتك و سخريتك و تعليقاتك التى لا تشبه احدا .. د
د
و تخلو من حولى الوحدة و لو مؤقتاً ..د
د
أرى دخان تبغك يصاحب رائحة قهوتى ... د
د يتشابكان من حيث لا يمكننا نحن التشابك و لو لفظاً .. فأشعر بالرضا .. د
د
فأقل ما تمنحه الحياة و عليه بصمتك و طابعك يكفينى و يملؤنى رضا .. د
د انا لا أحتاج لرؤيتك كى أرضى .. فقط افتقد ملامسة عينى لخطوط و جهك و ملامحك .. مراقبتى لحركات يديك .. د
د و ربما فوزى بمصافحة مع كفك الدافىء فأتمنى لو صرت أنا كلى كفاً .... د
د ولما أجدنى مقيدة على مسافة فاصلة أظل احسد كفى التى اقتربت ... د
د افتقدك دوماً .. حتى فى وجودك .. ليقينى انى سأعود لأفتقدك ... د
د فقط كلماتك من يواسينى و يبقى برفقتى .. فلا تكن بخيلا تضن على برفقاء وحدتى و غيابك عنى .. فهما كل ما يتبقى لى منك ..د
د
د مع ذكرى كف دافىء .. و رائحة دخان تبغ مختلط برائحة القهوة ... د
د
د

Sunday, September 6, 2009

الغضب

د
ليس شعورى بالغضب هو ما يزعجنى ... اعتدت تلون المزاج بدرجة أحلك من السواد المعتاد حين يتحول المزاج الى الغضب و هذا ليس بالشىء الجديد علىّ
د
د
ولكن ما يزعجنى حقا هو عدم قدرتى على التراجع عن الغضب الآن حتى مع انتفاء جزء كبير من مسبباته و مع وجود الدافع على التعاطف مع من فجر ذلك الغضب بداخلى!د
د
د
هل حقا أتى الغضب على كل ما هو طيب بداخلى حتى ان ما يصدر عنى فى هدوئى قد يكون محض ادعاء؟!
د
د
لا مزاج لى الآن لفلسفة أى شىء .. فقط أرغب فى التحطيم و الصراخ!د
د
د

Thursday, September 3, 2009

طيف

د
جالسة وحدى فى المكتب البارد الخالى من الروح .. اقاوم النعاس و الأهم انى اقاوم التلهى بما لا قيمة له كالعادة و احاول جاهدة ان انتبه و اصب كل تفكيرى فى العمل المسند لى على تفاهته و سخفه .. بمعنى اشمل احاول ان اقنع نفسى انى مهمة... د
د
اتحدث فى تليفونى لدقائق .. اتحدث مع صديقتى على الهاتف الداخلى .. نتبادل الـ"تشات" انا وصديقتى الأخرى نتحدث عن كل شىء و عن لا شىء ..د
د
تتزاحم الأفكار فى رأسى مع الفراغ .. بالأحرى مع رغبة فى افراغ عقلى مما فيه من ضوضاء أفكار و خطط و مشاريع و اشخاص و و و و ... د
د
د
و فجأة يدهمنى احساس أنه هنا! د
د
لا لا .. بل "كان" هنا .. "كان" معى ... هل شاركنى احلامى ليلا؟! د
د
لا أذكر انى حلمت به .. و لا حلمت أصلا بأى شىء .. ليلة أخرى خالية من الأحلام كالعادة
د
و لكن تلك الراحة ... ذلك السلام .. تلك الطمأنينة التى دوما استشعرتها معه .. و لما حملهم جميعا و رحل، ترك فقط بردا و خوفا و فراغا .. فى اعمق نقطة من روحى .. د
د
تلك النقطة التى احاول فى كل لحظات يقظتى اخفائها ... تلك الهوة السحيقة التى خلفها انهيار جبل الأمان بداخلى .. د
د
هوة احاول - من يوم رحيله - ان املأها بشتى اشكال الأشياء و الأشخاص و لم تمتلىء يوما و لا حتى يبدو لها من امتلاء يوما ..د
د
تلك الهوة التى بنيت حولها سورا منيعا عاليا .. حتى لا أهوى بداخلها بحثا عنه .. د
د
و بحثا عن أمانى المفقود ..غمرنى مجددا ذلك الهدوء الذى طالما شمل حديثنا مهما صخب بنا الحديث .. ذلك الهدوء الذى منحنى اياه بنظرات تحادثنى اكثر مما تحادثنى الكلمات .. نظراته التى طالما أشعرتنى بقربه .. بارتباطنا الذى لا انفصام له ...د
د
د
فكرت .. هل كنت أحلم به ليلا و نسيت تفاصيل الحلم و لكن بقى معى بعض من أمان؟
د
كذكرى صوته الحبيب .. او ضحكته .. كبقايا من حضوره يوما و وجوده فى حياته .. ربما ... ربما تحادثنا طوال ليلة امس فيما يشغلنى هذه الأيام من شتى المفزعات ..د
د
و لكن هذا الهدوء و الاطمئنان اللذين غمرانى فجأة لم يكن ليمنحنى اياهما مجرد الحديث .. لابد انه ضمنى اليه تلك الضمة التى افتقدها كافتقاد الغريق لأنفاسه ..د
د
لاشعر بهذا الهدوء و هذا الأمان، لابد انه ربت على رأسى كما اعتاد ان يفعل لمينحنى بدفء راحته الطمأنينة
د
تحملنى تلك الأفكار الى تفاصيل ملامحه .. و تحملنى على التفكير فى خاطرة واحدة: د
د
لماذا افتقده كل هذا الافتقاد؟ ولماذا افتقد ما ملأ حياتى به من امان و سكينة و دفء رغم انى امتلك اليوم من الأشياء والأشخاص أكثر مما كان ليمنحنى هو إن استمر وجوده فى حياتى بكثير؟ لماذا لم يأت من بعده شىء ما او شخص ما ليملأ و لو جزء من ما تركه فى روحى من فراغ؟
د
د
احتضن ملامحه الغائبة و ابتسامته المنسية فى مقلتىّ .. احاول التشبث ببقايا شعورى بالأمان و الطمأنينة المتسللان هربا مع بقايا حلم لا أذكره ..د
د
د
اسأله ... يا أبى .... هل حقا كنت معى بالأمس تمنحنى أمانا لم اشعر به منذ غبت؟
د
د
ارجوه .. يا أبى ... أرجوك .. زد من زياراتك لى .. لشدّ احتياجى اليك و الى دفء صدرك احتمى فيه حتى من نفسى .. فما بالك بأيامى! د
د
د
أضمه .. يا أبى .. اضمك كذكرى دائمة لصديق رحل و لم يملأ مكانه وطن من أصدقاء... د
د
د
اتشبث به .. يا أبى .. كنت أمان و سند لى لم يعوضنى عنه سواك حين تزورنى كطيف ملائكى يغمرنى بنور روحه ليهدىء من روعاتى
د
د
أعتذر له .. يا أبى .. اغفر لى ان لم أذكر حلماً حمل لى بسمتك و حديثك و ربتة يدك على رأسى .. و اغفر لى عدم ادراك عقلى المتلهى بالدنيا لوجودك حولى دوماً .. وجودك الذى لما يشتد الكرب بى يغمرنى سكينة و دفئاً فأقوى على المواصلة
د
د
أنتظره ... يا أبى .. سأظل انتظرك .. طيفا كنت او ذكرى او شعاع من نور ربى ينير بصيرتى فيكفينى شرور الدنيا .. و سأظل انتظر يوما - من فضل و رحمة ربى - يجمعنى بك مجددا
د
د
الى ان القاك مجددا ... رحمك الله يا أبى
د
د

Thursday, July 30, 2009

هو

د
ألقاه بعد غياب ... د
د
د
فى حضرة زحام من ناس، يتلاشى بطلّته تدريجيا حتى تختفى الارض و الموجودات من حولنا ... د
د
د
أرقبه مقتربا .. أفكر .. هل أظهر نفسى من بين الزحام، أم انتظر ان يرانى هو من تلقاء نفسه .. اختار الانتظار ... أمضيه فى ترقب حركاته و سكناته و ابتسامه و سلامه .. انخطف مع كل التفاتة له منتظرة التلاقى
د
د
تتلاقى العيون ... فتنكشف الابتسامات .. و تختفى الشخوص والاصوات تماما .. د
د
د
د" كل ده غياب؟" ... "بس الودّ موجود"د
د
د
أهنأ بوجود الود .. و اتصاله اليوم فى مفاجأة حياتية صغيرة لنا
د
د
يمضى به الكلام و النقاش مع هؤلاء الذين لم يعودوا موجودين بالنسبة لى ... أتامل قسماته و خلجاته و ضحكاته و قفشاته التى تضحكنى دائما .. ابتسم لملاحظة عدم اتساق لون حذائه مع ألوان ملابسه المتناسقة ... و تتسع ابتسامتى للكيلوجرامات الجديدة المكتسبة التى مازالت لم تجعله بدينا غير متناسق ... أفكر فى ممازحته فى هذا الأمر .. ثم تتلاشى الافكار من رأسى مجددا و تضيع بين حروف كلماته .. فأصغى
د
د
تتجسد نظراتى و تذهب اليه تتلمس وجوده .. فيلتفت الى مبتسماً
د
د
يقاطع نفسه ليحدثنى ... يتجاهل مُريد ما ليمازحنى و يطمئن على أخبارى .. يتهرب من مُحدث ما ليخبرنى عن أخباره .. د
د
د
تغلب شجاعتنا كثرة المتعاركين على لحظاته و وقته .. فأتسلل هاربة بغنيمتى من بقايا عطره التى سكنت باطن يدى من سلام مرتبك
د
د
أخبأ العطر فى صدرى .. اتنشقه كاملا لأخفيه فى رئتىّ .. لا أريد لأى شىء قد ألمسه ان يسرق و لو جزء مما ترك لى من عطر ستحمله ذاكرتى أبدا مرتبطا بسلامه .. به
د
د
أحاول أن اسرق نظرات أخيرة من خلال مرآة السيارة قبل أن أرحل تماما .. د
د
د
يحاول حزن الرحيل عنه أن يغلب سعادتى برؤياه فلا يستطع ... فتقهره ابتسامتى الآخذة فى الاتساع .. أطرب بلا غناء .. و أحلق بلا جناحين .. و أصير أخف من هواء و كأنى روح بلا جسد
د
د
و استيقظت لاجد ابتسامتى مازالت هناك تغمر روحى سعادة .. كلقياه التى غمرت قلبى و يومى بشمس ربيعية الدفء .. و نسائم صيفية مهدهدة .. و رقصات فراشات و أحلام صبايا .. و ورود و حدائق ... و نجوم اضائت لما اضاء وجهه بابتسامة تحمل اسمى
د
د
د

Sunday, July 26, 2009

مرور

الجو خانق بكل ما فى الكلمة من معان! لا توجد نسمة هواء ولو ضئيلة كما ان الرطوبة تكاد تصل الى مئة بالمئة و ربما أكثر لو أن شيئا كهذا موجود فى الطبيعة! د
د
د
تشعر بحرارة محرك السيارة تكاد تحرق قدميها رغم ان مكيف الهواء يدور منذ مدة وبشكل اعجازى ما تمكن من اخراج واء بارد من فتحات التهوية .. كيف؟ لا تعلم! ولكن تلك الحرارة المتسللة من المحرك تنبئها كم تبذل السيارة الصغيرة من جهد كى تبقيها فى درجة حرارة جيدة تميل الى المنعشة
د
د
تفكر ... مسكينة يا سيارتى! أعذرينى على هذا المجهود .. لا اطيق مجرد فكرة اغلاق المكيف .. لن أتحمل حرارة الجو مع هذا المرور السلحفى القاتل كما الحرّ ... تحملينى يا صغيرتى كما أتحمل نفقاتك و أقساطك .. د"يا ستى اعتبرينا خالصين" د
د
هكذا تحادث سيارتها سراً و تطيعها الصغيرة تفهماً وحبا بلا شكوى سوى حرارة المحرك الصادرة رغما عنها
د
د
و لأنها تحاول الوصول الى وسط المدينة .. أو الى اى مكان تسمح به حالة المرور - ان سمحت أبدا - ولأن المرور سُلحفى البطء .. تجد لديها الفرصة لتأمل ما حولها من سيارات و بشر و وسائل مواصلات مكتظة بأجساد قد لا يُرى منها سوى أذرع و ربما ساق هنا او هناك لا تدرى لمن تعود و كيف صارت الى هذه الحال .. لكنها تنبئك بحال صاحب تلك الساق و كيف يؤدى فقرته البهلوانية الآن محاولا الاحتفاظ بمكانه فى تلك الحافلة او ذلك الميكروباص
د
د
ترى حولها بضعة سيارت مغلقة زجاج النوافذ ايضا مثلها مما يدل على مكيف هواء يؤدى ايضا فقرة بهلوانية لابقاء جو السيارة محتملا لركابها بشكل ما فى هذا الجو .. و ايضا كثير من سيارات صُنعت فى سنوات كان فيها مكيف هواء السيارة درب من دروب الخيال العلمى فبقيت نوافذها مفتوحة فى بؤس ليمر خلالها عادم السيارت المحيطة مع ما يجود به هواء العاصمة من خيرات تلوثية متعددة الاصناف
د
د
تلتفت فترى ركاب الميكروباص المجاور الملاصقين لتلك النوافذ التى لا ينفتح معظمها اصلا فيزيد من سوء الحال اضعاف ... تراهم يتأملونها .. يطلون من نوافذهم المغلقة رغما عنهم مؤدية عمل صوبة زجاجية بجدارة تتبدى واضحة على جباههم على شكل أخاديد من عرق تكاد تشمه أو من خلال شعيرات انتثرت مبللة هنا او هناك على جبهة هذا أو من تحت "تحجيبة" تلك و تبدت ملتصقة على جبهتها
د
د
تدير رأسها عنهم بعد التفاتة قصيرة و تشعر رغما عنها بالعيون تحرق جانب وجهها .. تنفض عن نفسها الشعور بالتفاتة الى الجانب الآخر من الطريق .. تجد حافلة متهالكة تخص احدى الشركات .. تدلى من نوافذها ركابها طلبا لاى شذر من هواء يبقيهم على قيد الحياة حتى وان كان ملوثا و يتطلع بعضهم اليها .. أقول بعضهم لان البعض الآخر راح فى نعاس ما على هذا الوضع او انشغل بحوار مع جاره فى الحافلة ايضا من خلال التدلى من نوافذها
د
د
تتحرك السيارات قيد أنملة فتجد لنفسها منفذا يبعدها عن مرمى النظرات .. تحاول ان تغنى مع صوت الراديو متلهية .. ولكن تتزاحم فى رأسها الصور الحية الحالية فتمنعها من فعل اى شىء سوى الترقب والانتظار
د
د
لماذا هذا الشعور بالذنب؟! تتساءل ... ألم تمر عليكِ سنوات من نفس رحلات التعذيب ما بين ثلاث وسائل مواصلات نزولا لاى مكان و اربعة للعودة من هذا المكان الى البيت؟! عشت نفس الظروف غالبا فى ذات الحافلات و الميكروباصات بعينها .. فقط لو استطعتِ تبين السائق لاكتشفتى انك تعرفين ملامحه من كثرة ما ارتدتِ سيارته كـ "كعب عالى طالع" أو "جنيه هناك أهو .. هاته"!!دد
د
كم من مرات تسبب نفس الزحام بنفس العوادم و نفس الوجوه فى تأخيرك عن العمل؟! و اضطروك للجرى مسافة وراء سيارة العمل لتلحقيها والا ضاع عليك تعب شهر من العمل بسبب يوم واحد!! كم من مرات تشاجرت مع راكب يتشابه مع عدد من تلك الوجوه المحدقة بزجاج عزيزتك الصغيرة لانه يحتاج أن "يتربى من أول و جديد" أو " مش هشيل الشنطة اللى جنبى" لانها "مضايقاه فى القعدة" و مطلوب منك ان تسمحى له أن "يرتاح فى القعدة" و يميل عليكِ لـ"ياخد راحته شوية"!! كم من مرات بالله عليك؟! د
د
د
تتذكر .. فلا يسعها الا ان ترفع الدعاء عاليا الى الله ان يحفظ لها صغيرتها التى طال انتظارها لها عشر سنوات طوال مروا بشتى صنوف المواصلات و ما يتبعها من أذى و عذاب وامتهان لانسانيتها و الأنكى أنوثتها .. "يارب ما تحوجنيش تانى .. يارب وحياة حبيبك محمد ما تذلنى تانى بعد ما أعزتنى" د
د
د
تحملها أفكارها للأقساط ... آه لو تعلمون أيها المحدّقين أنى لم أملكها بعد .. و انى مازلت أضع سيف بنك مرابٍ على رقبتى فقط لانى لم اعد احتمل مزيد من امتهان .. آه لو تعلموا انى فى يوم لم يتبقى لى بعد عناء شهر كامل من عمل سوى عشرون جنيها بعد دفع الديون فقط لاحصل على مساحة خاصة بى تكفل لى أن احمل صفة الانسانية فى شوارع العاصمة .. آه لو .. ولكنكم لا تعلمون و لن تعلموا .. فلكم أفكاركم و لى أحوالى
د
د
د
تصفًّ سيارتها فى موقف الميدان المزدحم دوماً و تمشى متجهة الى المركز التجارى الكبير .. تلفحها حرارة الجو فور ترجلها من السيارة تشعر لحظيا بأثر الرطوبة على وجهها و كأن أحدهم القى على وجهها بدلو غراء .. تحث الخطى فى اتجاه المركز التجارى لكى تهرب من الحرارة سريعا .. تمر خلال موقف الحافلات فى طريقها رغما عنها.. و رغما عنها ايضى لا يبدو عليها فعل الحر والرطوبة كما يبدو على كل مخلوق متواجد الآن فى الشارع و بخاصة رواد الموقف الذين لابد وانهم منتظرين منذ الأبد حافلات تبدو مع الحر وكانها لا تأتى أبدا .. تلتفت اليها بضعة اعين هنا وتدور مع حركتها بضعة رقاب هناك .. فقط استغرابا لكونها مهندمة على الرغم من الحر الذى يقضى على اى هندام .. تزيد من حثها لخطواتها حتى تمر....د
د
د
تتذكر ساعات قضتها فى نفس الموقف أحيانا تصل لاربعة .. تشعر بما يشبه الحنين تجاه أخوتها فى العذاب ... تبتسم لدى رؤية رقم 32 على جانب احدى الحافلات .. ترى نفسها و هى تجرى ورائها من مخرج الموقف وحتى منتصف الشارع الذى يليه لتلحقه حتى لا تضطر للانتظار ساعتين لحين مجىء الحافلة الأخرى التى تحمل نفس الرقم
د
د
تحث الخطى مجددا محاولة مداراة الابتسامة التى علت وجهها مع رؤية الرقم .. تتجاهل متابعة النظرات لشكلها الذى لا يبدو عليه الحرً .. و الأهم ... أنها تقاوم رغبة ملحة قهرية .. تكاد تكون خبيثة .. فى ان تخرج مفتاح السيارة من الحقيبة لتمسكه بيدها مزهوة ... و ربما ادارته فى تلذذ امام نافذة الحافلة التى تحمل الرقم 32 فقط لتخبرها انها لم تعد فى حاجة لانتظارها مرة أخرى .. و لتشرح للناظرين لماذا لا يبدو عليها المعاناة تحت وطأة الحر مثلهم .. و ...
د
د
لكنها تذكرت مكانها فى وسط نفس الجموع يوماً ما .. فتلاشت الابتسامة من على وجهها و طأطأت رأسها ... د
د
قهراً .... د
د
د
د