عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Wednesday, March 20, 2013

عِــيــد الأم

الأمومة..

ذلك الوجود الغامض الذي هو أحد مفردات حياة أية فتاة منذ ولادتها.. فهي أول ألعابها منذ أن تعي، ثم تكبر لتكون أمّاً لأخواتها، ثم تكبر أكثر فتكون أما لزوجها، فتأتي الأمومة الطبيعية كشيء اعتيادي و فطري للغاية يكاد يُبذل بلا جهد و كأنه أمر روتيني تكرر كثيراً..

طوال سنوات كثيرة كنت أكره اليوم المسمى بعيد الأم! لطالما فكرت، لماذا لا يراعي العالم مشاعر هؤلاء مفتقدي الأم في حياتهم؟! لماذا لا يراعي العالم مشاعر النساء المفتقدات للأمومة لسبب أو لآخر؟! ما كل هذه الاحتفالات بلا مراعاة للآخرين؟!

أظن اني اول ما أخذت تلك الأفكار في اعتباري كان بعد وفاة جدتي لأمي... فقدتها امي و انا بعد في السابعة من عمري... فلم أبك جدتي افتقاد لها، و لكني بكيت افتقاد امي لها..
أذكر جيدا ان اول ما فكرت فيه حين وصَلنا خبر وفاتها "ياعيني يا ماما".. ثم تحول الأمر لعادة بكاء الأحياء ممن يخلّفهم ورائهم الذين ماتوا لا بكائهم هم، الذاهبون لمكان أفضل كثيرا...

كما أني لا أستطيع أن أجد سببا لبكائي كل مرة، بلا مبالغة، استمع فيها لأغنية "سيد الحبايب يا ضنايا" لشادية.  حين كبرت ظننت اني ربما بكيت بسبب معرفتي أن شادية لم ترزق الأطفال أبدا.. و لكني كنت دوما ابكي بمجرد سماع المقدمة الموسيقية لتلك الأغنية حتى قبل أن اعرف تلك المعلومة.. ربما أبكي توحدا معها، او تضامنا.. او تنبؤا بمستقبل يخلو من أطفال أتشاركهم مناصفة مع أحدهم..

و لكن، و برغم كل ذلك التاريخ من العداء لفكرة "عيد الأم".. و بما تكون لدي من عداء تجاه الأطفال نفسهم منذ عدة سنوات جعلني أزهد فيهم كل الزهد، زهدا حقيقيا مخلصاً لوجه الله تعالى و هو على ما أقول شهيد.. إلا ان الحال يختلف هذا العام!

لماذا؟!

لأني اكتشفت فجأة، كسطوع البرق في كبد السماء، أن لي أكثر من أم!

أكثر من أم انا جد محظوظة بوجودهم في حياتي و ممتنة لأمومتهم كثيرا بما يفوق كل قدرتي على التعبير..

أمي... رضوى... تلك التي هي أمي على البُعد.. أمي بالحروف و الكلمات التي أعادت تشكيل انسانيتي.. أعادت تشكيل وجداني.. التي غمرتني كلماتها حنانا و رقة و أمومة حتى بدون أن أراها... تلك التي تمنيت ان أقبل يديها اعترافا بفضلها علي بلا غضاضة و لا خجل لولا مخافتي من ان تشعر هي بالحرج.. أمي على البُعد التي يؤلمني ألمها و يشعرني بالعجز.. أمي التي أدعو لها بالشفاء بتضرع حقيقي و خالص إلى الله و هي لا تعلم و لن تعلم...

أمي... أميرة... تلك التي هي أمي الصغيرة.. التي أحيانا ما تلعب دور ابنتي.. و دائماً هي أختي و مرآتي.. تلك التي يربطنا ما هو أقوى من الدم.. تلك التي لا تبعدنا مسافات و لا زمن مهما طال كل منهما.. تلك التي هي ضمير حي لي، تلك التي تأتيني من حيث لم أنادها، فتربّت على قلبي بكلمة طيبة.. و نكتة.. و دموع غزيرة نتشاركها سويا... فتبدو الدنيا أقل سوءا مما هل عليه، و يصير العالم قابلا للتحمل لحين موعد التربيتة القادمة من قلبها على قلبي..

أمي.. أمينة.. تلك التي هي أم بالفطرة لكل من تعرف.. برغم طفولتها البادية رغما عنها.. تلك التي تشعرك بالأمومة كلما أدركت مدى قوتها و صلابتها أمام الزمن.. تلك التي تشعرك بالأمومة كلما أدركت كيف انها تستمد الحنان من فيض حنانها على الآخرين.. شاءت أم لم تشأ.. تلك التي تتهاوى كل أقنعتها فتصير طفلة بقلب أم في ضحكة جزلة في لحظة جنون لا أشاركها أحد سواها..

أمي.. روضة.. تلك التي رأت اني شببت عن الطوق فتركتني لعالمي لا تروم تدخلا فيه.. و لا تعتب نأي عنها.. تلك التي أخفت آلامها حماية و محبة و حنانا.. تلك التي لم تطلب يوما بل كانت دوما مانحة.. تلك التي أكدت لي في يوم من الأيام أن الصداقة ليست بالوقت، و لهذا فانا دوما مقصرة تجاهها .. تلك التي أشعر بالتقصير و الضعف كلما رأيت ابتسامة رضاها في وجه زمن عبثي.. تلك التي تذكرني كيف تكون القوة الحقة...

أمي.. مروة.. تلك التي بلا مجهود تفيض حنانا و قربا يجعلها تبدو كأنها بقلبك من قبل أن يوجد قلبك، و كأنه خلق و هي فيه.. تلك التي في كل مرة بهدوئها و رصانتها تشعرني اني طفلة متهورة تحتاج لكثير من التعقل.. فأنهل من نهر حكمة تتفوهها في بساطة و تلقائية و بلا تكلف فأتعلم مع كل حرف، و موقف، و لفتة، و حكاية معنى ان تكون - حقاً - إنــســان.. معنى أن تكون ناضجاً حقا لا ادعاءا.. تلك التي يتوارى غضبي خجلا في حضرتها..

أمي.. شيرين... تلك التي تغلف تعاملاتها بكل الأقنعة الواهية الهشة التي سرعان ما تتكشف عن حنان مغرق.. تلك التي تبذل الكثير لأسعد.. تلك التي تخفي شكوتها و ألمها مهما اشتدا حتى لا تزيد من هامش الحزن و لا الأسى في يومي.. تلك التي أتعلم منها الكبرياء بلا تكبر.. التي تفرض على العالم رقياً برغم كل سوقيته.. هي الأم التي تعلمك الإتيكيت و الذوق و الأصول بمنتهى التلقائية و بدون محاضرات.. تلك التي تشعر أن البوح ابتذال فتهوّن عليك كل ما يؤلم بتساميها عن الألم..

أمي... مريم.. تلك التي لن تدرك أني أراها أماً.. هي حقاً تذكرني بأمي الحقيقة.. بصخبها و حبها للحياة، تماماً كأمي.. تلك التي تبكي خوفاً علي، تماما كأمي.. تلك التي تروض ثورات غضبي بصمت متفهم كلما انفجرت امامها، تماما كأمي... تلك التي لم استطع يوما ان اغضب منها حين اخطأت، تماما كأمي.. تلك التي بكيت خوفا عليها، تماما كأمي، و انا لا املك لها من حيلة سوى أن أكون هنالك.. تلك التي لن تعرف أنها تعني لي كل ذلك، تماما كأمي...

و بناتي الحبيبات... مرام و مارلين.. أولئك الذين منحوني من الصبر و الحب لألعب انا دور الأم معهم.. حباً و شعورا بالحماية.. و شعورا بالفخر و الاعتزاز... بناتي الحبيبات اللاتي لم اكن لأنجب بناتا افضل منهن و لا أحسن خلقا و لا أخف ظلا.. لم أكن لأنجب من يسمعن لي مثلهن و يتركنني ألعب دور الأم بحرية مثلما يفعلن.. بناتي الحبيبات.. اللاتي لم تحملهن بطني و لكن يحملهن قلبي.. فرحة لفرحهن و ألما لألمهن و فخرا بكل ما يملكن من قوة و عناد..
ملحوظة: "مرام الكبيرة يا مارلين و أول فرحتي.. مافيناش من زعل!" ;)

أمي... جيهان... التي التي أعطتني عمرا.. و اسما من قبل ان أولد.. تلك التي دفعت ثمن حياتي من دمها و دموعها و ايامها انتظارا طويلا... تلك التي أتمنى ان تطال يداي نجوم السماء لأرصفها طريقا تحت قدميها... تلك التي تحيل ايامي جهنما حمراء و برغم ذلك تبدو الجنة قليلة عليها... تلك التي أدرك حقا و صدقاً انها قدمت لي أفضل ما تملك يداها، بل كل ما ملكت يداها من حب و وقت و مال و خوف علي... تلك التي تمرض حين أحزن... تلك التي صارت تلعب دور ابنتي منذ ست عشرة سنة و تغضبني منها ولا اغضب عليها ابدا.. تلك التي اغضبها كثيرا جدا و احيل قلبها نارا و حطاما بكلماتي و لا تغضب علي ابدا.. تلك الطفلة العنيدة، المحرومة، الشقية، المتخفية وراء صفات برج الأسد و لكني أدرك تماما مقدار هشاشتها.. تلك التي لم تحقق من أمانيها شيئا سواي فلا تخيب املها في يا الله.. و اجعلني لها قرة عين في حياتها.. و دعاء و عملا صالحا في آخرتها.. و شفعها في يوم العرض عليك يا من خلقت الرحمة في قلوب الأمهات ليعمر العالم برحمتك على ايديهن...

يا كل أمّهاتي.. يا من تعرفن مقداركن لدي و يا من لن تعرفن ذلك أبدا لتقصير مني، او خجل، او بُعد...

كل عام و أنتن بخير..
انتن من جعلنني أحب عيد الأم لأول مرة من ثلاثين عام.. و أنتن من تجعلن لي شيئا في هذا العالم.. انتن من تبقينني على قيد الـ حياة ... حقاً لا تماهياً..


Thursday, December 13, 2012

نَـــــعْــي

قاوَمتْ كثيرا... و انهزَمتْ............... أكثر!

****

مع آخر شهقات المقاومة تذكّرت وصيتها...

"لا أريدكم أن تحزنوا.. عيشوا.. أحبوا.. احنفلوا بأعراسكم و أعياد الميلاد... لا تؤجلوا شيء منهم.. وزّعوا في مأتمي الحلوى التي أحب.. و لا تشربوا القهوة السادة.. اشربوها مثلما أحببتها "زيادة"... أو وزّعوا مياة غازية و آيس كريم.. تلك أشياء أحبها فوزعوها في مأتمي و تذكروني... تذكروا نِكاتي و سخريتي وضحكاتي.. تذكروا أفعالي/أقوالي  التي أثارت زوابع الضحك في جلساتنا و اضحكوا مثلما ضحكنا ساعتها.. لقد كان الفرح عزيزا طوال العمر ولا أريد أن يعزّ أيضا في الممات.. لا تؤجلوا أفراحكم لأجلي.. سأفرح معكم"

تَعلّقت الشهقة كغصة في حلقها حين أدركت ان أحدهم لم يشاركها فرحا و لم يدرك لها ألماً إلا حين جأرت بالشكوى فقط.. 

حين أدركت أن البُعد لم يكن بُعد مسافات فقط، بل غلبة اعتياد..حين أدركت ان القهر لم يكن عشوائية قدر بل كان هو القدر.. 

حين أدركت ان الصداقة/الحب/الأمومة/الأهل/الصدق/الحق/الخير/الجمال ماهي إلا أثواب ألبستها خيالاتها لأشخاص مروا من هنالك و تصادف ان كانت في طريقهم...

حين أدركت ما كان مقامها في العالم.. حين تجسدت حقيقة انها كانت مجرد الـ بديل المتاح/المصدر الوحيد/الأسهل/الحائط المائل فقط.. و انها كانت فقط للـ "استخدام الآدمي" و الـ "استهلاك الآدمي" و ليست للـ "تعامل الآدمي" أبدا...

حين أدركت انهم، بخذلانهم و تخاذلهم، بكل استنزافهم لقواها، بكل ما سددوا لها من اتهامات و تهم، بأطماعهم و نواقصهم، باحوالهم و افعالهم تلك التي خلت من أي حب او قصد فرح أوصتهم ان يفرحوه بعد مماتهم.. و لكنها مرت هنالك كصدفة عشوائية عابرة لم/لا/لن يتوقف أحدهم عندها كثيرا...

حينها...

لم تخرج الروح من جسدها زفيرا كالمعتاد.. بل إنكتمت بداخلها قهرا و انهزاما.. و فاضت إلى ربها فإليه المنقلب....

****

كل من يمر بشاهد قبرها الخال من أي أسماء/دعاء بالرحمة سيظن القبر خاليا و ربما لن يلحظه أحدهم أيضا.. كما لم يلحظها أحد حية غالبا لن يلحظوها ميتة... 

لذا


نسألكم الفاتحة  و/أو الدعاء... و لو صدفة...



Monday, July 9, 2012

هكذا قالت الجبال

سانت كاترين - جنوب سيناء
"لتتعلم أيها الفاني، عليك أن تنزل من فوق صهوة غرورك و تجلس كتلميذ متهيب في صمت و تستمع لما سنعلمه لك"

             هكذا قالت الجِبَال

         ************





تعلَّم أيها الفاني:

أن تدرك حجمك على هذه الأرض و تدرك قيمتك عليها.. انت لا تعدو كونك مجرد ذرة.. و لكن سُخِر الكون كله لها.. فاخشع ولا تتجبّر

أن تدرك "عقلك" ولماذا أوتيتهُ.. فلأنك لا تصلح للعيش على هذه الأرض بامكانيات جسدك وحدها، منحت عقلاً يغلبك على عجز الجسد .. فاخشع و لا تهمله

أن تدرك قيمة شهيقك و زفيرك.. ذلك الفعل الذي تأتيه كل ثانية بدون إرادة عادة، قد لا تستطيع اتيانه ولو أردت.. فاخشع ولا تضيعه

ان ترى الثمر يخرج من قلب الصخر.. فتتحسس موضع القلب منك.. هل صار صخرا بعد؟! إذن سيثمر الزهر منه عما قليل ... فاخشع ولا تقنط

ان ترى الماء يجري من عل فيشق لنفسه طريقا من قلب الصخر، ليأتيك بردا و سلاماً من القيظ.. فتشرب و تقر عينا ويغيب عنك الظمأ بعدها وقتاً طويلا.. أتاك الماء من قلب الصخر ليرويك من حيث لا انت ولا الصخر احتسبتم... فاخشع ولا تهدره

ان تدرك ان ليس كل الظل ظلاما.. ستستحث الظل للحظة كي تحتمي فيه من لفح الشمس.. و ستلهث خلف ظلك لتدرك انك موجود على هذه الأرض ولست وهماً .. فلتستحضر معنى "يوم لا ظل إلا ظله" و تشكر الظل على وجوده.. فحيث وُجد وُجدت انت.. فاخشع ولا تحقره

أن تتخذ من الخطو على الصخر طريقاً مهما بدا مستحيلاً.. فبامكانك الاعتماد عليه بقدميك او حتى يديك لتتحرك للأمام.. أما الحصى و الرمل، برغم البساطة و السهولة البادية فيهما،فسيحملاك خطوة، و ينهارا تحت قدميك لترجع للوراء خطوتين.. فاخشع ولا تنهره

 ان تتساءل "أترى لخطواتك أثرا؟!" إنك فانٍ، و كذا خطواتك إن لم يكن لها الوقع الذي يحفرها على وجه الصخر.. أثرك/ عمرك فانٍ، فاخشع ولا تهدره

أن ترقب خطوك جيدا ان اردت ألا تزلّ قدمك.. الطريق ليس صديقا كما قد تظن، كما انه ليس بعدو ... إنما انت عليه ضيف، فلتظهر الاهتمام و الاحترام.. فاخشع ولا تستيسره

أن تدرك ان الطريق لم يخلق بكل تفاصيله عبثاً.. لأنك فانٍ، فانت تظن انه مسار للانتقال بين نقطتين.. تلك مهمة محدودة لمحدودي البصيرة.. للطريق لغة تدركها حين تدرك تفاصيله من حولك.. توقف قليلا أثناء سعيك.. تأمل تفاصيل الطريق و لا تكن ضيفاً ضريراً.. فاخشع و ابصره

ان ترفع عينيك للسماء.. كيف رُفِعت.. و مدى بعدك/اقترابك عنها و منها.. أتبعد عنك بقدر دعوة؟ بقدر لحظة تأمل؟ بقدر دمعة تفر من عينيك خجلا؟ أتخشاها ام تتمناها؟... ارفع عيناك لها..  و اخشع و اقترب

أن تدرك انك مسموع لنا و لو همست.. و لو أسررت لنفسك... نسمعك، فتكلم.. نسمعك، فتألم.. نسمعك، فتأكد أن سرك محفوظ في قلب الصخر.. لما ننوء به يخرج ثمرا و ماء.. وجدنا كي نعلمك ان من قلب الظلمات يخلق النور.. و من قلب الصخر يخرج الثمر .. و من قلب الألم يخرج الإيمان.. فاخشع و تقبل ألمك

ندرك ان ألمك يصقل روحك.. فلا تغضب.. المشقة تصنع منك إنساناً.. و الإنسان يصنع المستحيلات.. بالمشقة تمكن اجدادك من شق طريق بين جلاميد الصخر و لم يقنطوا.. تذكر السابقين و ما كابدوه حتى تسير اليوم مختالا فخورا في طريق كنت تظنه اليوم وعرا، فكيف كان وقت ان قهروه و مهدوه لأجلك؟ فاخشع و اسمو فوق ألمك

أن تدرك أن الموسيقى لغة الكون.. و لغة جسدك.. كلما أوغلت فيها أوغلت فيك.. أعطتك من مفرداتها كلمات، و جُمَّل تكشف لك سر الكون.. و سر نفسك.. فاخشع و استمع

ان تمد يديك إلى الرزق.. حين ترى الثمار تميل عليك بفروعها، و تعطرك بشذاها، لا تردها خائبة... تذوق الخير ولا تسرف.. فلا أطيب من ثمر نما في الخفاء و تحدى البرد و القيظ و الوِحدة من أجلك.. فاخشع و استطيبه

و تعلم أيها الفاني، .. الموت مُدركك حتى و لو بين أضلع الجبال..  ان تمُتْ في الجبال، فلا اسم لك عند البشر.. و لكنا نحن سنعرفك.. سنحفظك.. سنؤنس وحدتك.. و سنبعث سيرتك في ترانيمنا للسماء.. فاخشع و اتعظ
تعلَّم ان تُسلّم حين تمر ببيوت قوم.. حتى لو كانت آخر مثواهم على الأرض و ادعُ ربك أن يكون لك بيتاً  حتى و لو بين صخر الجبال، يمر به العابرون كراماً فيُسَّلِمون.. و اشكر نعمته عليك إذ يجعل لك على الأرض أحبة يتذكرونك.. حتى بكتابة اسمك على شاهد حجري يشهد على وجودك يوما ما على هذه الأرض.. اشكر نعمته عليك إذ يجعل موتك معلوما و لو من نفس واحدة على الأرض تبكيك يوم ترقد في آخر منازلك عليها..و ربما تذكرك كل حين بسلامٍ على البعد.. و اشكر نعمته عليك إذا بعث لك في قلب الجبل غريبا يمر بظله فوق قبرك فيجعل من ظله عباءة.. فاخشع و سَلِّم و اشكر و اعتبر

ان تدرك ان للصخر القاسي قلب.. لا يشبه قلبك.. قلب لا ينسى.. يُنبت الثمر و يُجري الماء.. قلب يشعر بوحدتك أيها الفاني و لهذا تكلمنا إليك.. فاخشع و استمع

انزل ايها الفاني من فوق صهوة غرورك.. فلولانا لمادت بك الأرض... فاخشع و ابتهل

***

هكذا قالت الجِبَال..

Wednesday, May 23, 2012

هلوسات دمية قماش

تُذبَح.. فتنزف... فتذوي... و تموت. ثم تعيش كـ"زومبي".. فتروح و تجيء و تأكل و تشرب و ترتدي أقنعة الضحك و البكاء بحسب المناسبات.. و لا شيء حيّ فيك سوى الألم!

يقبع هناك.. ذكرى وحيدة لا ترتبط بحادث معين... يحرّقك.. يعيد عليك صورة دمك المهدور بتكرار مذل. تحاول تناسيه و إقصاء رائحة الدم عن أنفك.. ثم تتذكر أنك لست سوى "زومبي" لا يملك من الإرادة شيء!

*****

ترى الموجودات من حولك تصطبغ بلون أحمر... فتدرك أن ما يسيل من عينيك ليس دمعاً!!

*****

بعد منتصف الليل بزمنٍ، أسمع صوت مياة جارية.. أفكر: لعل أحدهم يغسل ملابسه أو روحه ليأتي عليه النهار و "هي" نظيفة...

*****

لكل منّا وجهان.. وجه نعرّفه للجميع و آخر نخفيه عن الجميع، غالبا ما يكون قبيحاً و مدعاة للعار... كنت انت ذلك الوجه الذي أخفيته عن الجميع... قبيح، و مدعاة للعار...

*****

و انا أرقب تلك الأجسام الضئيلة الهشة، القابلة للانسحاق بقبضة يد عارية، أدرك كم نحن مثلها، هشّون و قابلون للانسحاق، بل و نستحقه أحياناً كثيرة.. لولا رحمته التي وسعت كل شيء.. حتى "نحن"...

*****

تصطبغ الورقة و الحروف بلون أحمر.. فتدرك أن الذي يجري على الورق ليس حبراً.. و ليس مصدره القلم......

*****

تتدافع الأفكار، الصور، الكلمات، العبارات... فيرتفع معدل نبض الألم لحدٍ خطر.. و لكن الموت لا يأتي... فهو لا يأتي، أبداً، مرتين....

*****

لماذ يقتل البعض و ينتحر البعض الآخر مادامت الكتابة موجودة؟! فهي تتيح القيام بالفعلين معاً، من دون فوضى الدماء و التحقيقات!!

و إن كان ذلك يجعلني أخمن سبباً لانتحار البعض، أو لجوء البعض الآخر إلى القتل.. لابد أنهم كانوا أميّون!

*****

مع كل كلمة تخطّها على الورق، ينضح جبينها حبة عرق بارد.. تقل نبضات قلبها واحدة.. و يرتفع صخب الألم بمقدار 100 ديسيبل/كلمة... فتشعر بصمم الموت، لا الموت نفسه.... فكما قلنا، إنه لا يأتي - أبداً - مرتين...

*****

على مدار السنين، زارها الموت مرتدياً العديد من الأقنعة.. حرقاً، صعقاً، غرقاً، و سقوط من علٍ... و عن طريق خطف عزيز و حبيب لا يعوض غيابه أحد، فيقتطع من جسدها/روحها جزءاً لا يمكن استبداله، فكأنها ستموت بالـ"قطعة"... و على هذه الصور، صارت و الموت "معرفة قديمة".

و لكن يظل "الموت ألماً" هو منجز المهمة الفعلي.. فبغض النظر عن الـ"معرفة القديمة" و برغم أنه كان الأشد وطأة، إلا أنه - باحترافية تستحق الاحترام - يقوم بالمهمة على الوجه الأكمل ... ببطء... و على مراحل .. و بمنتهى الفاعلية...

*****

ظلمتك حين قلتُ عنْك أنك "وجهي القبيح"... "أنا" هو وجهي القبيح الحقيقي.. و الأكثر مدعاة للعار........

*****

ترقب القطة الغافية بجوارها على الفراش، و التي، برغم نومها، تمد قوائمها لتتلمسها و تأتنس بوجودها... تفكر:"أنتِ الكائن الوحيد على هذه الأرض الذي يحبني - حقاً - لوجه الله.. برغم أني لا أقدم لكِ أي شيء سوى أني أناديكِ دوماً لتجلسي أو تغفي بجواري لأأتنس بوجودك و أتخفف من عبء وحدتي قليلاً أو اخدع نفسي بذلك على الأقل.. ألهذا تحبينني؟! و هل للـ"ونس" هذا القدر من الأهمية في حياة أي روح، فيجعلها "تحب" من تأتنس به؟!

عموماً، أشكرك يا قطتي على حبك، أياً كانت بواعثه... أشكرك على ماتمنحيني من الونس مما عجز عنه بنو الـ"بشر"

*****

حين تبطيء سرعتي في الكتابة، أعلم أن الجرح قد استنزف دمه حتى مداه.. حتى حافة الموت الذي لا يأتي أبدا مرتين .. و أنه لم يبق منه سوى ما يكفي لمواصلة المسير كـ"زومبي" حتى يأتي الـ"معرفة القديمة" لزيارتي مجدداً فأكتشف أن هناك مزيد من الدماء لـ تُنزف...

Wednesday, January 4, 2012

سُــــلَـــيْمَـــــى

أرى سلمى بلا ذنب جفتني

و كانت أمسِ من بعضي .. و مني

كأني ما لثمت لها شفاهاً

كأني ما وصلتُ و لم تَصلني

كأني لم أداعبها لعوباً .. و لم تهفو إليَ و تستزدني

كأن الليل لم يرضى و يروي أحاديث الهوى عنها و عني
###

لم تكن سلمى تدري أنها ستقع بهوى هذا الرجل بهذا القدر من الجنون.. كان رجلا عادياً بكل ما تخلو منه الكلمة من معانٍ.. ليس جميلاً وليس من الأثرياء و لا الأقوياء .. و ليس شاعرا و لا مجنوناً... سوى بها!

كم جُنَّ بها الرجال من قبل و لم تعبأ.. و لكن هذا الرجل.. هذا الرجل تسلل إلى عقلها.. تهادى بين منعطفات أحزانها و غضبها.. و بحبه و ضعفه و اشتياقه و لهفته، سيطر على مشاعرها.. تملّكها فملَكها..

قاومت و صرخت و غضبت و فجّرت و حطمت الكثير و الكثير من الكلمات و المزهريات و الهدايا و المعاني.. و بقي.. طأطأ رأسه أمام ثوراتها المتعاقبة المتفجرة، ثم  رفع بعدها قامة العشق عالية ثابتة لم تزحزها غضبة و لا انفجار

قال:

"أحبُكِ كيف أنتِ.. و كيف أنا.. و انا لا أملك من أمري شيئاً سوى أني أحبُكِ.. فساعديني و لا تحملي على بضعفي"

ذابت بين حروف كلماته.. و دفء راحتيه.. و سلَّمَت سلمى 

إطمأنت وهدأ عقلها قليلاً.. نامت في كفه... توسدت قلبه و غفت كقطة بحثت عن الدفء طويلاً ثم وجدته فقرّت عيناً و استقرت

مسد رأسها بيديه.. تخلل مشاعرها بأنامله و همساته.. ابتسمت له و أطلقت العنان لغجريات الليل الحالك ليرمحن و يمرحن على كتفه و صدره.. و جنيات عطرها أشعلن النار تحت قدور الرغبة و العشق و النشوة.. فتلقته أمواج العطر سابحاً مخلصاً.. و حملته لشطآن نحرها

ذاب في حرارة أنفاسها.. و انثال روحاً خالصة على خطوط الجسد، فاكتشفها و أعاد تشكيلها.. ما بين صحارٍ وبحارٍ و وديان ريانة.. تشكلت بين يديه أنثى و نَمِرَة و حيّة و حواء حتى صارت ملكة سلبت تاج عشتار، فصار التاج بها أكثر اكتمالاً.. 

إنهمر العشق من عينيه مطراً روى قلبها فأزهر ورودا و نجوماً و أقماراً صغيرة.. زيّن بالورود شعرها و جيدها و يديها.. و أضاءت بالأقمار ليلهِ.. و من صدره صنع لها مخدعاً.. حفّه لها بالنجوم و الحرير و الفراشات الملونة.. و صنع لها من الغيوم البِيض وسادة و حِرام..

تقلّبا مِلء الأرض و السماء.. دار في فُلك الهوى بين ذراعيها و عينيها.. صار نبضه في قلبها.. و عينيها مرآته.. ارتوى من رحيق شِفاها و امتلأ.. و زادته عطشاً بعد ارتواء.. 

تَشَكّلت بحرارة يديه.. فانصهر.. 

و جَرى نهراً.. منبعه جيدها.. انقسم فروعاً ما بين منحنيات و خطوط.. انهمر شلالا من علٍ.. غاض في أخاديد و منخفضات.. و كان المصب بين قدميها.. فخُلقت جنة صغيرة من شجيرات و فراشات و نخيل..
  
استفاقت سلمى من نشوتها لتجد انها صارت ملكة و كوكب.. معشوقة و إلهة عشق.. يجري عاشقها و مريدها نهراً فوق أرضها.. ينمو زهورا و طيورا و نخيلاً بين وديانها.. يستقر كواحة وسط صحاريها.. 

رَنَتْ إليه و تذكرت كل مآسي العشق و العاشقين.. تذكرت الذين خانوا و غدروا.. الذين رحلوا.. الذين كفروا بها و كفَّروها.. 

بكت في صمت.. تصورته كافراً بها.. خائناً لها.. خافت و ارتبكت.. انطفأت ارتعاشات النجوم حول مخدعها.. و اربدّت الغيوم و امطرت فأغرقت الفراشات و أفزعت الطيور.. 

صحى بركان الحزن بداخلها 

زمجر متسائلاً: كيف آمنتي و أمِنتي؟! كيف سلّمتي يا سلمى؟! بدونه أنتِ ملكة شاء أم أبى.. أما معه، فقد تُباعين جارية بثمن بخس في لحظة ضجر او بطر.. ماذا صنعتي بنفسك يا سلمى؟!

صحى الرعب و الغضب.. طردوا العشق و وأدوا النشوة.. و فرّت سلمى.. من نفسها...

صرخت هامسة و هي تلملم أشلائها .. 

"أُحِبُكَ.. و لكني أخافُك.. أخاف أن تخدعني و تهجرني.. و أخاف من نفسي و عليها .. أُحِبُكَ.. و لكني لن أقدر أن أمنحك أكثر من تلك اللحظات.. لن أقدر أن أمنحك قلبي ولا عيني و لا سلامي.. حتى و إن كنت قد سرقتني في غفلة مني او نشوة.. لن تملكني.. أهرب الآن و أحمل معي ما بقى مني لكي لا أضيع.. لكي لا تضيعني.. بلا ذنب أتركك.. بلا ذنب سوى حبك.. سأموت بيدي لا بيدك.. قد تغفر لي أني خُنتك خوفاً.. ولكني لن أغفر لك أبدا أن قتلتني غدراً"

هربت سلمى.. حاملة ذنبه و ذنوبها.. و بقايا أرض و سماء و نجوم و فراشات ..

###

غداً لما أموت و أنتِ بعدي تطوفين القبور على تأنّي
قِفي بجوار قبري .. ثم قولي
أيا من كنتُ منكَ و كنتَ مني
خدعتُكَ في الحياة .. و لم أبالي
و خُنتُكَ في الغرام .. و لم تخُنّي
كذا طَبع المِلاح .. فلا زمامٌ
فُطِرنا على الخداع .. فلا تلُمْني

Window - George Tooker

* قصيدة "أرى سلمى" للشاعر العراقي محسن أطميش
 

Tuesday, November 1, 2011

حمى



تشعر بالحمى تتصاعد في جسدها بغتة و تدريجياً بخطى حثيثة... تتفكك اوصالها تمام و تشعر كأنها على وشك فقدان الوعي .. لا يبقيها واعية سوى ركوبتها الصغيرة .. تميل يميناً فتهتز معها فتفيق قليلاً... او يساراً فتنتفض كانها تستيقظ من كابوس...

تسيطر الحمى على ذكرياتها اولا .. فتفور تلك وتمور من الماضي السحيق.. تتذكر يوم أصابتها حمى مشابهة لتلك دون أي مقدمات و لا مبررات طبية واضحة او خفية .. هي وحدها كانت تعرف السبب .. 

كانت تكتم حباً فاض فصهر روحها و ثار على الجسد الضعيف يروم تصريحاً و إفصاحاً . .ولما لم يجد بياناً يفصح به، عربد في الجسد الضعيف حمى كاسحة.. يومها خافت أن تجري الحمى لسانها بما لا تستطيع معه إفصاحاً .. قاومت الإغماء و النوم و الغياب عن الوعي .. أو هكذا ظنت ساعتها .. كتمت حباً يفصح عن نفسه حمى .. و لما سمعت صوته يومها جرت دموعها دون صوت .. أججتها رنة القلق عليها في صوته .. ولما تحاملت على نفسها كاتمة الحمى و الحب سوياً لتذهب و تراه وسط الجمع المعتاد .. خذلتها عينيها .. فتوارت عنه معظم الوقت خلف نظارة سوداء .. و لما غابت الشمس .. انهارت قواها و فاضت دموعاً .. كفكفها بكلماته الرقيقة و لهفته البادية .. ولم تشف من تلك الحمى إلا يوم صرح لها  بحبه من بين ارتعاشات صوت مرتبك و عيون زائغة من الخجل و اللهفة .. فصار النيل يومها محيط لا يحمل على صفحته سواهما...  

لما تذكرت تلك الحمى .. اندهشت انها لم تصب بأي شيء حين مات الحب! هل كان الحب فيروساً تداعى له الجسد بالسهر و الحمى مقاومة و دفاعا عن القلب الغرير؟! ضحكت متعجبة من تلك التخاريف و لماذا تذكرتها الآن .. هل تشابهت عليها الحمى؟!

لا يمكن لتلك ان تشبه هذه بأي حال من الأحوال .. فاليوم لم يولد حب ولا مات .. فقط إنطفأ قنديل كانت تتجمع حول ضوؤه فراشات ملونة أحياناً .. و كثيرا بعوضات تلدغها لدغات مؤلمة .. كثيرا ماكانت تنير ذبالته جزء من احد جنبات الطريق .. ولكن ظلت بقية الطريق معتمة .. حاولت إذكاء جذوته .. و فشلت .. فانطفأ .. فمالها الحمى تغزو جسدها اليوم؟!

لمن تتصدى يا جسدي المثخن بالجراح؟ للجراح القديمة التي تستبيح الأيام نكأها .. أم لجراح جديدة مقبلة؟ 

تتذكر المقولة "جرح فوق جرح .. لا أدري أيهما أشد إيلاماً؟!*" فتفكر: حقأ أيهما أشد إيلاماً؟! الموت أم الحياة؟
تباً للحمى و تهريفها .. أين الحياة من راحة الموت؟ و أين نحن منها؟! 

تميل بها الركوبة فتنتفض كأنها تستيقظ من كابوس .. و هل حقا استيقظت؟ إذا لما لا ترى صورة للطريق ولا للسيارات و لا للعابرين؟ مالهذا الظلام يمتد و يترامى و يبتلع كل نور؟! تميل الركوبة مرة أخرى .. ولكنها لا تنتفض هذه المرة...


----
* محمد المنسي قنديل


اللقاء الأول

كانت تمشي في درب طويل .. وحيدة .. غير عابئة لا بطول الدرب ولا بوحدتها .. اعتادت الاثنين منذ زمن بعيد..
هي فقط تقف عند نافذة العرض تلك ترقب ما خلفها من "موديلات آدمية" .. ربما دخلت ذلك الحانوت او الذي يليه لتجرب أحدهم .. ذلك موديل صاخب الأفكار و الصوت .. و تلك موديل هادئة الطباع عاقلة صبورة .. وذلك أهوج .. وتلك بلهاء .. وغيرهم الكثيرين.. ذلك الموديل او تلك .. ثم تمضي في طريقها مرة اخرى ..

وحين كفت بالاهتمام بما تعرضه نوافذ الحوانيت من بشر .. او أنصاف بشر .. او أشباه بشر .. فكرت: و لم لا أجرب طريق آخر؟!
مضت تبحث عن طريق آخر ربما يحمل إليها بهجة مفتقدة .. او صديق حقيقي .. او ربما فرحة ان كانت محظوظة..

وجدت عدة طرق متشعبة و متقاطعة في نقاط مشتركة .. و أحلى ما في تلك الشبكة من الطرق تنوع الطبيعة فيها .. فذلك يمتد في صحراء ساحرة آسرة للروح .. و الآخر يمتد في زرقة لا متناهية ولا مُدْرَكَة تتلون بنور ذهبي تارة و ضياء فضي تارة أخرى .. و ذلك يمتد في لجّة لازوردية تتصنع الهدوء و تخفي في باطنها عالم صاخب في صمت .. 
سارت فرحة بين تلك الطرق .. تناست وحدتها .. صارت الحياة ممتلئة بالكثير من الحكايات و البهجات .. صغيرة حقاً .. قصيرة العمر حقاً .. كأعمار الفراشات .. و لكنها كانت تكفيها للاستمرار .. الاستمرار في تناسي الوحدة و التغاضي عنها .. و لو حتى ظاهرياً...

و في احدى التشعبات .. كان الطريق اكثر صخباً من المعتاد .. تكتنفه صنوف من بشر لم ترهم من قبل ..يصنعون ثورة .. يقدمون شهداء منهم كقرابين .. تغيير .. حرية .. عدالة اجتماعية ..كأنهم أموات يبعثون .. بلد تنتفض من رماد.. 
جرت بكل طاقتها في اتجاه ذلك الطريق .. لا تفهم الكثير من متطلباته ولكنها شعرت فيه بالأمان .. رغم الزحام و الصراخ و فوارغ الرصاص تحت قدميها .. لم تبالي..

و من وسط الزحام لمس كتفها برفق .. و قابل عينيها بابتسامة تشجيع ..  بادلته الابتسام..
وضعا اليد باليد و ذهبا يهتفان سويا .. و باليد الأخرى حملت العلم الحبيب .. و بيده الأخرى رفع علم أكبر فوق رأسها ليحميها من شمس قاهرة .. زادت طمأنينة...

و في هدوء مُختلَس .. افترشا الأرض سوياً .. و قال: أتحبي الذهاب لصيد الفراشات؟
قالت: لا أحب الفراشات!
قال: جربي .. ربما أريتك فراشات تختلف ألوانها عن أي فراشات عرفتيها مسبقاً .. 
قالت: الفراشات تموت سريعاً .. 
قال: أعرف .. و لكن لما لا نستمتع بألوانها قبل ان تموت؟!  لما لا تحملنا رفرات اجنحتها لعالم بعيد جميل .. فيه البحر بلا موج ولا غرق .. و السماء تهدي نجومها للعاشقين يهدونها لحبيباتهن دبابيس شعر .. و الأرض تخرج للناس أحسن الثمر .. و الهواء لا يحمل إلا سلاماً و عطوراً..
قالت: و هل تعرف فراشات بإمكانها ان تحملنا، بكل ما نحن مثقلين به من هموم، إلى ذلك العالم؟
قال: بلى
قالت: و إن وقعنا من فوق أجنحتها .. ألا نتحطم فوق صخور الواقع؟!
قال: سأحملك إذن على كفوفي و أطير أنا بك

أخذ يدها بيده و مضى .. في البداية أهداها فراشات كثيرة .. بأجنحة بيضاء كالثلج و أخرى بلون النار..اجنحة تحمل ألوان الورد و أخرى تزينت بأقواس قزح ... فرحت بها ... ضمتها إليها فحملتها و ارتفعت راقصة بها .. سمعت ضحكاته .. اقتربت منه تحمله معها .. اخذ بيدها .. جذبها لأسفل فلامست قدميها الأرض مرة أخرى .. سألته بعينيها .. لماذا لم تطر معنا؟! لم ينتبه للسؤال .. مضى بها في طريق لم ترَ فيه أي فراشات .. و لا طيور أو زهور .. تسرب منها شعور الأمان رويداً رويداً.. و كلما مضى بها بعيداً ..  كلما شعرت بوحشة ذكّرتها بالدرب الأول .. بالوحدة الأولى

تساءلت .. لم الوحدة الآن و أنا لي رفيق،نصيد الفراشات سوياً؟! لماذا الغربة الآن و أنا اسكن وطن جديد؟!

شعرت بشمس الطريق تغيم .. صار الطريق أكثر برودة .. و لم تمنحها ضمة يده لكفها أي دفء.. 

سألته: أين الفراشات؟! قال بلا اكتراث: و من أين لي أن اعرف؟! ربما لم تريها.. ربما لم تعيريها انتباهك جيداً...
قالت: وعدتني بالفراشات ... لم يرد ... 

سحبت يدها من يده بهدوء .. لم ينتبه.. 
وقفت محلها و لم ترافقه خطواتها .. اكمل الطريق ماضياً ولم ينظر خلفه ...

ولما خفضت عينيها أسفاً على ضياع الطريق من قدميها .. رأته يطأ فراشات ميتة بقدميه .. ولا يبالي..



Wednesday, September 21, 2011

تلك الصباحــات المبــهجــة

"أصل الصبح دا ليه بهجة خاصة
مناقشات الصبح والفطار الصبح وانك تفطري مع حد الصبح
دا موود تاني خالص"
 توقفت عن الإنصات بعد تلك الجملة.. و ان كانت استمرت في الرد على بقية الكلام، إلا ان عقلها قد شرد بعيداً مع صباح مثل ذلك..

يحادثها ذلك الصديق عن بهجات صباحية مع أصدقائه .. أما الآخر فيحادثها عن ابتهاجه هذا الصباح لأنه نجح في حل مشكلة لديه .. ترد على هذا و ذاك و عقلها "معه".. 

تتخيل بهجة أي صباح يبدأ بصوته .. بكلماته .. بوجوده....

تغمض عينيها فتراه قريباً منها .. تكاد تلمسه .. تسمع صوته .. يغشيها ضياء ابتسامته .. 

تراه أمامها .. يحاورها بدلا من هؤلاء الأصدقاء .. يخبرها عن بهجاته الصباحية التي تتلخص في وجودها .. فقط!

تراه يجلس إلى طاولة فطور جهزتها بنفسها .. بعد ان صنع لهما القهوة بيديه .. يرشف منها فيصنع وجهاً مضحكاً لأن القهوة سيئة الطعم لسبب لا و لم يعلمه أي منهما .. يضحكان ملء القلب و يحتسيان الفنجانين حتى الثمالة .. ولا يهم ان كان للقهوة طعم سيء ام لا .. يكفي طعم الكلام بينهما..

تراه يصحبها لتمشية على النيل صباحاً قبل استيقاظ المدينة العتيقة و اختناقها بأنفاس قاطنيها و عوادمهم .. يمشيان متمهلين .. صامتين صوتاً .. صاخبين فكراً .. حتى انهما يضحكان سوياً فجأة .. و ينظران لبعضهما .. فيحتضن يدها بكفه .. و يحملها هي بين عينيه .. و يكملا سيرهما بنفس الصمت و الصخب

تراها تلتف على نفسها كقطة هانئة، تقرقر، تسند رأسها على كتفه و هو يقرأ الجريدة .. فيتلو عليها خبراً سياسيا مضحكاً و  يظلا يضحكان من القلب حتى بعد أن يلقي الجريدة و يضمها إليه أقرب بذراع و بالأخرى يهديها الوردة التي اقطتفها لها خصيصاً قبل الفجر... 

تفيق من أحلامها الصباحية، مبــتــهــجــــة.... 

حاملة ابتسامته على شفتيها.. ملامحه في عينيها .. صوت ضحكته و كلماته مازال يتردد في عقلها .. 

تأخذ شهيقاً عميقاً و هي مبتسمة و نصف مغمضة .. فتعبق رئتيها بعبيره...

تفرك كفيها على سبيل العادة لتزيل عنهما برد مكيف الهواء .. فتجدهما دافئتان من حرارة كفه...

تخرج من مكتبها مبتسمة .. تكاد لا تحملها الأرض من الـــــ 

بـــــهـــــجــــــة

Morning Joy - Amy Chapell

Tuesday, September 20, 2011

صـخــب


تفيق من نوم مؤلم ولكنه - للحظ الحسن - خالٍ من الأحلام، كعادة نوم المواصلات الذي هو فقط إستسلام لرجرجات الركوبة أي كانت لتستشعر معها و بها بعضهاً من هدوء مفتقد.. للدقة، هو استسلام لصخب أعلى من ذلك الذي يدور في رأسها فيمكنها ان تغفو دقائق قليلة و ربما زادت جرعة الحظ الحسن فتمكنت من الظفر بسويعات من النوم الصامت/المصمت...

تفيق من ذلك النوم متجاهلة مواضع الألم الحسي الموزع ما بين الرقبة و الظهر و تلك الكف المخدرة بفعل ضغط الرأس عليها .. لتستفهم سر ذلك الألم النفسي الذي غزا نومها الهاديء فطغى على صخب الركوبة و أجج صخب العقل مرة أخرى فأيقظها!

تعتدل في الكرسي مسلوبة الراحة، مرغمة على التأقلم مع تصميمه، كما هي مرغمة على التأقلم مع ذلك الزخم المفاجيء من الأفكار التي غزت عقلها.. 

ينتابها الرعب من كل تلك الأفكار المتلاحقة، التي عَلا صوتها و غطى حتى على ضجيج المجموعة المصاحبة لها في الركوبة الذين يدّعون طفولة مفقودة و مرح مسلوب بتلك الألعاب المستمرة ليل نهار ... تكاد لا تسمعهم، لا، هي حقاً لا تسمعهم من حدة الضجيج المغلف لعقلها.. 

ولما قررت ان ترفع صوت الموسيقى في آذانها علّها تخفف من وطأة ذلك الصخب .. جاءها الصوت الإفريقي يغني:

One day i'll fly away... Leave all this to yesterday

بهتت لتطابق الصوت المسموع مع الصوت الأعلى في عقلها .. أود الرحيل .. أبداً .. لا  أرغب في الرجوع ولا العودة .. ليس لدي ما اعود إليه سوى مزيد من الصخب .. و الغضب .. و الألم!

أين المفر؟!

تتوارد الأفكار على خاطرها باندفاع كتوارد قطيع جاموس وحشي على مورد ماء بعد موسم الجفاف .. تتدافع فيما بينها بهمجية .. تدهس عقلها دهساً .. تطأ شذرات من روحها في الطريق

تزداد الوطأة على روحها فتفقد ملامحها أي تعبير و تجلس صامتة .. تشعر كأن ضجيج أفكارها مسموع للعالم .. تأسف انهم مضطرون لتحمل ذلك الصخب و تود لو اعتذرت منهم .. تزداد صمتاً

تتسائل: ما كل هذه الوحدة وسط هذا الجمع من الناس؟ و كيف ازدحمت الصحراء بهذا الصخب فلم تهنأ بالهدوء ولو دقيقة واحدة؟ تتشتت ما بين وحدة الصخب و صخب الوحدة فتشعر بعقلها يكاد يذوب و يتساقط من عينيها دمعاً...

تزداد صمتاً.. 

تأتيها تربيتة على الكتف من صديقة تتسائل: "ماذا بكِ؟" .. تبتستم و تتصنع كل ما يمكن تصنعه من حجج و إدعاءات كاذبة و هي تفكر " كم كنت أتمنى لو كنتَ انت من حملت لي تلك التربيتة و ذلك التساؤل!"

يستمريء عقلها، المتمرد عليها اليوم، اللعبة فيتمادى في التساؤلات.. "هل تفتقدينه ام تتسائلين استدعاء لمزيد من الغضب عليه؟"

و يصمت الصخب لوهلة قصيرة جدا .. فلا تكاد تجيب عقلها حتى يلاحقها بسؤال آخر "هل هو حقاً من تفتقدين ام انك توهمين نفسك بذلك؟!" 

تصرخ بشفاة مزمومة "أفتقد الأمل في وَنَسٍ و حميميةٍ مفقودة من قديم الأزل بيني و بين كل من مروا بحياتي، و لم أجد بين يدي إلا حبات رمل الصحراء تسكن خطوط كفي و لوهلة ثم تتركني مرة أخرى وحيدة .. أفقتد شعوراً بالانتماء لا يعلم و لم يعلم عنه أحد شيئاً لأنه لا يمكن لأحد أن يكون سكناً و هو مشرد الروح .. أفتقد ظهراً و سنداً .. أفتقد ذلك الذي لا يجيء أبداً و لا يترك لأحلامي فرصة البحث عن غيره .. أفتقده و اذوب لهفة إليه في ملامح الناس و بين خطوط أكفهم .. تهيم يداي مشردة ما بين كفوف الناس تبحث عن السكن .. تبحث عن المودة .. تبحث عن الرحمة .. ولا أجدها .. هذا ما أفتقد! فكفاك نكئا لجراح أجاهد نفسي كي تندمل" 

و لا يصمت الصخب كطفل عنيد متمرد يأبى الترويض و الاستكانة .. أجاهده يوما او بعض يوم .. عُمراً أو بعض عمْر

أجاهد روحي ألا تبكي .. أن تدعي القوة كعهدها دوماً .. أحثها ألا تنكسر .. 

أرجوكِ يا روح ألا تكوني هشة .. لا تتعلقي بقشة إنسانية تذروها الرياح و لا تملك من أمرها شيئاً .. كل هؤلاء البشر هم قش! لا تنتظري منهم سنداً او سكناً .. فكيف للقش أن يحمي ساكنيه من عواصف الدهر .. كيف للقش أن يسند الظهر؟!

أرجوكِ يا روح ألا تزدادي غضباً و نقمة عليهم .. هم أرواح هائمة .. تنشد السلام و الرحمة .. فقط هم لا يعرفون كيف يمنحوه لبعضهم فيزدادون تيهاً و تشرداً.. و يزدادون تدافعاً على أي سراب قد يبدو للناظرين كماء الرحمة .. لا تنقمي عليهم .. ولا تنقمي على نفسك .. إهدأي و استمسكي بمزيد من الصبر عسى الله أن يقضي أمراً كان مفعولاً
******

رسالة:

كم تمنيت لو كانت كلماتي عنك .. أو إليك .. 
و ها أنا اليوم أكتب عنك و إليك .. ليس بي اليوم غضب عليك رغم الخذلان و الصفعة الحارقة التي مازالت أذني تطن بها و عقلي يردد صداها .. لا أملك سوى دعاء أوجهه لله عساه يتقبله و يسبغه عليك:

"اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً ..
امنحه سلاماً ينير بصيرته .. فيرى النور بين عينيه .. و بين كفيه .. يهتدي به و يهدي
امنحه سلاماً ليَرضى .. اجعله سلاماً ليُرضي .. امنحه سلاماً ليهدأ.. اجعله سلاماً ليَقوى
اللهم امنحه سلاماً .. و اجعله سلاماً"

Wednesday, June 15, 2011

دروس العام الجديد

أجلس بداخل ركوبتي الزرقاء الصغيرة ..  أكاد أود لو أطير فوق الشوارع و الناس والزحام .. لا أريد أن أرى أحداً

تصحبني ركوبتي و موسيقاي المفضلة .. و تحلُّ أفكاري ضيفاً ثقيلا على تلك الصحبة البسيطة

تنساب الموسيقى مؤلمة مثيرة لمزيد من أشجان الفكر و القلب .. تنساب معها دموعي

أكرر على نفسي ما دار من مكالمات و مناقشات .. و اكرر ما أَظْلَمَ علي بهجة يومي التي كنت استحثها و استجديها من الزمن

أتذكر تلك المقولة: "هذه الأعمار المتعددة هي أيضاً خيبات أمل متعددة"* .. و أفكر .. إن كل عام يمر هو عمر مستقل بخيباته و انكساراته و خِذلانه

ربما يحدث خطأ في النظام هنا أو هناك .. في لحظة أو سواها .. تتسبب في إضفاء بعض النور على الأيام الكابية المتكررة .. و لكن ذلك ليس أكثر من "خطأ في النظام" سرعان ما يصل به تقرير فيتصحح الخطأ و تسير الأمور على النهج المعتاد من تكرار لخيبات الأمل و الخِذلان .. فتستقر الأمور .. و يستقر النظام .. و تزداد النفس اختلالاً

تنساب دموعي بانتظام و هدوء فأرى الصورة أوضح .. هكذا الحال في كل مرة .. و لكن الخطأ هذه المرة في الصورة التي أراها

أحاول نفضها عن رأسي و التوقف عن البكاء .. بلا نجاح حقيقي .. و لماذا عساي أنجح في هذا الأمر دون غيره مما فشلت فيه و أفشل فيه على الدوام؟!

تتكرر الأحداث ثانية في رأسي .. و تدور الكلمات في فضاء الركوبة الصغيرة رنانة .. مدوّية .. ترجِّع نفسها كصدى صوتٍ يتزايد و يتضخم ولا يذوب في الهواء كما ينبغي له

أنظر في الساعة و أراها تقارب منتصف الليل ... أفكر .. هل قضيت أبداً تلك الساعات وحدي مثل اليوم؟! .. فيرد عقلي علي أنه لابد لكل شيء من مرة أولى .. و لابد أن تعتادي الأمر من الآن فصاعداً .. كل عمر/عام جديد ستمر عليك تلك الساعات و انت وحيدة

أمسك بهاتفي لأفتحه .. أتذكر آخر مكالمة تلقيتها عليه .. أفكر .. لماذا أفتحه؟ لماذا أعود للمنزل؟ لماذا عدت من زرقتي الأثيرة؟ لماذا وُلدت؟

أنا على يقين أني حية .. لا يمكن لكل هذا الألم و الخِذلان أن يصيب الأموات .. تلك حقيقة أثبتت نفسها منذ أعمار كثيرة .. و لكن هل تجوز الحياة في فراغ؟!

أتذكر محاولاتي المستميتة طوال الأعمار الماضية لملىء ذلك الفراغ بحيوات أخرى .. أتذكر سعيي الدؤوب لرسم البسمة على وجه هذا .. و إسعاد قلب تلك .. و إضفاء بهجة بسيطة على يوم هذه .. بدون مقابل .. حقاً بدون مقابل!

أسعد لرؤياهم سعداء .. أسعد  جداً حين أرسم بسمة على وجه أحدهم ..  أسعد حين أقايض الزمن بمجهودي و فكري في مقابل سويعات من بهجة و فرح .. أسعد حين أجدني قد نجحت في تجارتي و حققت الربح المنشود

و لكن .. أليس هناك من تجار غيري يقايضون الزمن بـ "شيء" ما لأجلي؟

تصدمني تلك الفكرة فيرتج علي كياني ..

تتضاعف الوحدة و يتسع الفراغ فيشمل الكون كله .. أسقط في هاوية، أعمق من المعتاد، من خيبة الأمل ...

يتضح درس العام الجديد أمامي

"لا تأتي خيبة الأمل فقط من أن يخذل الزمان توقعاتك .. قد يخذلك الزمان من حيث لا تتوقعي"

أرغب في أن أظل أدور بركوبتي بلا نهاية .. و لكن الفكرة تذكرني بشقي الرحا اللذان يدوران على رأسي فأتراجع

تذكرني الفكرة بالدوائر المفرغة التي تؤدي لنفس النهايات مهما اختلفت البدايات .. فأتضائل

تضاؤلي يذكرني بحجمي الحقيقي .. ينبّهني له .. أصرخ في نفسي " ولكني لم أظن في نفسي ما هو أحسن!! لم أبنِ أية توقعات!! لم أطلب أي شيء!!! لم أنتظر مقابلاً يوماً من أحد ولا من شيء!! أيها الخذلان أنا لم أعط لتوقعاتي سقفاً، بل قتلتها و وأدتها و عشت بلاها .. ماذا تريد مني؟!!!"

تجاور كل من الزمان، و الخذلان و الفراغ و الوحدة .. كزبانية جحيم ... حدّقوا فيّ بوجوه بلا ملامح .. بل متغيرة الملامح .. تحمل كل ثانية ملامح مختلفة لشخص ما .. شيء ما .. مر بأعماري ليحولها لخيبات أمل متكررة .. و ابتسموا بشماتة و ظفر

فازداد تضاؤلي .. و انكمشت تحت دموعي .. و صمتّ 
_______

أحاول تجاوز تضاؤلي الرابض أمام عيني منذ الليلة الماضية ..  أحاول ان أسمو فوقه

أفكر: "اليوم يوم جديد .. بداية عمر جديد .. لن أبني له توقعات .. و لن انتظر منه شيئا ما .. ولا من أحد"

أتجاوز حادثات الأمس و استعد للخروج منها و من أفكاري

تتعقد الاحداث .. و تتطاير الأفكار كالرصاص .. فتغتال حتى الصبر

أظل ادور في دوائري المفرغة .. تدور بي بلا رحمة .. ما بين شوارع .. و وجوه غريبة .. رغبة في البكاء .. ذكريات تستدعى لسطح العقل فتنكأ جروحاً قديمة .. كما لو أن الحديثة لا تكفي و تزيد!

ما يقرب من يوم و أنا أدور في تلك الدوائر .. أفقد توازني تماماً .. و أفقد معه الاتجاه

فأجهش في بكاء حار .. و أفكر .. هل لن يكون لي من رفيق  سوى ركوبتي و شارع قاس جَهِم و أفكاري؟

لبئس تلك الرفقة!! ...

إنضم النشيج لهم ... فغامت الرؤية أمامي تماماً .. و غابت المرئيات .. و بدا الطيران من فوق حاجز الطريق السريع كفكرة ظريفة جدا .. لولا أنها لتزعج بعض الغافلين .. او قد تذكر "بعضهم" بي .. لنفذتها فورا

و لكني آثرت راحتهم .. و انضممت لدائرة الرفقاء .. الخذلان و الفراغ و الزمان و البكاء و الوحدة

و نِمت لا ألوي على حلم

---
* محمد المنسي قنديل