عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Thursday, September 3, 2015

الأخت ماري

** تحديث لتدوينة قديمة


الأخت ماري
هكذا كانت توقع شهادات درجاتنا الشهرية والسنوية.. وبمنتهى السذاجة لم اكن أستوعب أن ذلك التوقيع يعني "Soeur Marie" رغم اني أفهم الترجمة، ولكني بشكل ما لم أربط بين الاثنين.

كانت مديرة مدرستي.. وكانت مثال الشخصية القوية جدا، الحازمة جدا، عارمة الحنان، في آن واحد.

نظرة واحدة منها كانت كفيلة بدفعك دفعا للارتعاد خوفا إن كنت قد ارتكبت حماقة ما، حتى بدون أن تنطق هي حرفا!
ونظرة أخرى تعيدك لسجيتك الطفلة، فتحكي لها نكتة "مرة واحد راح يقعد على قهوة قعد على شاي" لتقهقه هي ضحكتها الملتزمة المرحة، وكأن النكتة مضحكة حقا.. فتشعر وكأنك قدمت للبشرية انجازا عظيما، فقط لأنك أضحكتها.

الوحيدة التي استطاعت ان تقنعني أن أتوقف عن قضم أظافري، بعد ان شَكتني أمي لها.. نادتني يوما بعد انتهاء اليوم الدراسي ونظرت لي بهدوء حنون، حدثتني عن الدراسة والمذاكرة وما شابه، ثم نظرت إلى أصابعي التي كانت قد قاربت التشوه، وبلِومٍ هاديء قالت:
"ايه ده؟! ضوافرك ليه شكلها كده؟"
رددت خجلى: "أصلي باقرقضهم.."
قالت: "هو فيه آنسة  كبيرة زيك كده وتقرقض ضوافرها زي الأطفال الصغيرين؟! بصي ضوافري عاملة ازاي؟ مقصوصين ونضاف مش متعورين ومتقرقضين.. ينفع آنسة كبيرة زيك تسيب ضوافرها شكلها كده؟"
هززت رأسي أن "لا".. فنظرت لي نظرة ذات معنى وابتسمت..
دار بيننا هذا الحديث وانا في الخامسة من عمري وإلى الآن – بعد ثلاثين عاما – لم يحدث أن قضمت أظافري مرة أخرى ابدا.

كانت تسعد لنجاحاتنا الصغيرة سعادة حقيقية.. وتناقش معنا أسباب أي تراجع عن معدلات تحصيلنا المعتادة. لم يحكمها شيطان العند والكِبر لما اكتشفتُ غلطة في امتحان الحساب للصف الاول الابتدائي، وقالت ان الحق معي بكل أريحية، أمامي، وطالبت المُدرسة بتقسيم درجة هذا السؤال على باقي أسئلة الامتحان وعدم احتسابه ضمن الدرجات.

لا أذكر عدد المرات التي شاركتنا فيها "الفسحة".. وهي مديرة المدرسة.. تضاحكنا وتحادثنا وكأنها ابنة الثامنة او العاشرة مثلنا.. لا أذكر كم مرة رأيتها تلعب مع بنات الحضانة "فتّحي يا وردة".. او استغماية..

ولا أنسى المرات التي كانت تجمع فيها كل طالبات المدرسة المتجمعات في موعد فسحة واحدة في قطار طويل تتقدمنا هي وتدور بنا في ساحة المدرسة.. وقع أقدامنا وصوت "توووت توووت.... تش تش" تردد صداه حوائط المباني من حولنا، وهي معنا.. ولا تتخلف فتاة واحدة عن الانضمام.
حتى أولئك الـ"آنسات الكبيرات" اللاتي يفضلن الجلوس والتحدث بهدوء عن الجري والصخب من أمثالي، أو حتى الفتيات المنطويات اللاتي لم يشاركن أحدا فسحتهن ولم يشاركهن أحد؛ كانت تُصرّ على ان تشارك كل فتاة في القطار ولا تتحرك من أمامها الا بعد ان تنضم للصف الطويل، المؤلف من فتيات خمسة فصول دراسية كاملة.
لا أذكر اني رأيت احداهن متأففة او منزعجة لاقتحام عزلتها وانعزالها، على العكس، ربما كانت تلك هي المرات القليلة التي ارتسمت فيها ابتسامات صادقة وصافية على وجوه تلك الفتيات وضحكن من قلوبهن فعلا، وعشن طفولة لحظية لم أدرِ لاحتجابها سببا كطفلة.

لا أنسى ركوعها بكل أريحية في الفناء لتعقد رباط حذاء هذه الصغيرة أو تلك، حتى لا تتعثر خطواتها الطفلة.. لا أنسى لهفتها على أية طالبة تحتاج للذهاب للعيادة في أي طاريء مرضي، فتذهب لها مطمئنة، ومعها كوب نعناع دافيء او سندويتش المربى التي تصنعها راهبات المدرسة.

لا أنسى يوم حبستني أحداث "الأمن المركزي" في المدرسة، وأخذتني معها لسكن الراهبات، وأعدت لي الكيك والسندويتشات، وحرصت على أن اتم واجباتي المدرسية، حتى تمكنت أمي من اصطحابي من المدرسة في الثامنة ليلا.

ولن أنسى العروسة، و"طقم الشاي" الوردي اللذان كانا بانتظاري كهدية شفاء بعد اجرائي لعملية اللوّز وعودتي للدراسة.. واحتفالها مع زميلات الفصل ومدرساته بـ "عودتي سالمة".

الآن أرى تلك الشخصية ذات الحضور القوي الكاسح، الذي يتحول لحنان جارف بلا أي تصنّع.. ولا يسعني إلا أتفهم كيف كانت لها القدرة على تحويل الرهبة والاحترام اللذان أشعر بهما إلى امتنان ومحبة وانبهار.. كأنها الأخت الكبيرة التي تقوم بدور أم البديلة في التقويم والمحبة لا يبغي أحدهما على الآخر مهما كانت الغاية..  فيترائى أمامي بعدا آخر لتوقيعها على شهاداتنا؛ الأخت ماري.


No comments: