عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Friday, August 7, 2015

حلم

أشوفك ناجح.. متألق.. 
أفرح..
نتلاقي.. ماحدش يقاطعنا.. حاسة بتعبك.. أحط إيدي على كتفك.. أطبطب عليك.. نفسي أشيل التعب عنك.. تضمني.. 
يختفي العالم.. 
نتمشى.. نتكلم.. نضحك.. 
"- جعان؟ 
* آه جدا! يلا نشوف مكان ناكل فيه.. 
- يلا.."
وكل اللي على بالي فرحتي ان لقانا هايطول.. وانك معايا وقت أكتر من دقايق كل مرة.. 

"* هنا ولا هنا؟
- زي ما تحب.. 
* هنا بيعملوا أكل هايل"
أمشي معاك.. عايزة أبقى معاك وخلاص.. عايزة أشوفك.. بس.. 
أسمعك.. بس..
مش مهم فين.. مش مهم هانعمل ايه.. المهم انك تبقى قصاد عيني.. 
ما بنلاقيش مكان.. الدنيا زحمة.. وانت حرّان..
وباين عليك تعبان بس كأنك مش عاز تمشي.. عشاني.. 
بتطلع نمشي لمكان تاني.. وإيدي في إيدك.. 
مكملين كلام.. لأ.. انت بتتكلم وانا باسمع بس.. 
بيوحشني صوتك حتى وانت بتتكلم.. بتوحشني ملامحك حتى وانا شايفاك.. 
مش عايزة اليوم يخلص من فرحتي.. بس عارفة ان الوقت اتأخر.. 

أتقلب عشان - كالعادة - اتأكد ان كان ده حلم ولا حقيقة.. 
أصحى

ورغم اني صحيت.. وانه كان حلم.. لكن رفرفة قلبي من فرحتي بيك وانت قدامي.. فرحتي بنجاحك.. فرحتي بضمتك ليا.. دفا ايدك في ايديا.. 
كل ده لسه موجود.. بعد ما اليوم خلص.. 

يا حلم موجود في الحقيقة.. وحقيقة بتزورني في الحلم.. 

امتى هاقدر أحققك حقيقة زي الحلم؟ 



   

Monday, July 27, 2015

إخوة يوسف

أوقات -زي النهاردة كده- بتلح عليا الفكرة دي:

هو انا ما بقاش ليا اخوات عشان انا كده؟ ولا انا كده عشان ماليش اخوات؟

ايه الحكاية؟!

الحكاية اني اتولدت وحيدة.. سبقني اختين وتوفاهم الله، حتى ماشوفتهمش.. ربنا يجعلهم في ميزان حسنات والديّ.. 

موقف وسؤال اتكرروا كتير وما زالوا بيتكرروا:

 "- هو انت مالكيش اخوات بنات؟!
 - آه.. ولا ولاد!
- إيه ده!!!! انتِ وحيدة؟!!!! (بتعبيرات دهشة وتعجب واحتمال فزع)
- باين كده!
- ممم (مع تعبيرات أسى بيتحول تدريجيا لشفقة وبعدين لخفة ظل) تبقي أكيد متدلعة!"

مع ان أي حد يعرفني او شافني بس حتى هايحلف على البحر يجمد اني لا دلوعة ولا باطيق الدلع.. بس هي متلازمة "وحيدة/متدلعة" بيتجي مع بعضها زي شوكولاتة وفانيليا كده.. مع انه طلع فيه كوكتيلات تانية، بس هو كده!  

وكنت زمان اتعصب جدا لما حد يقولي "متدلعة" دي!! يعني إديني أمارة واحدة على الدلع ده؟!! 

لكن لما كبرت شوية وبصيت ورايا على السنين لقيت اني اتدلعت اه!

لو كان ليا اخوات ماكانش هيجيلي تلات فساتين في العيد الصغير واربعة في العيد الكبير، فستان لكل يوم.. 
لو كان ليا اخوات ماكنتش هادخل مدرسة محترمة اتعلم فيها تعليم محترم.. 
لو كان ليا اخوات ماكانش بقى كل دخل الأسرة مخصص ليا عشان تعليمي ولبسي وعلاجي وشرا الكتب..

ولحد دلوقتي.. وبعد وفاة ابويا بتمنتاشر سنة.. وشوية الحاجات المادية اللي سابهالنا،

لو كان ليا اخوات ماكناش خدنا قرار العزال بسهولة كده
لو كان ليا اخوات ماكنتش اخدت فلوس دراسات عليا من أمي بسهولة كده
لو كان ليا اخوات ماكنتش اخدت فلوس مقدم العربية من أمي أصلا

لو كان ليا اخوات حاجات كتيرة جدا ماكانتش هاتحصل واتضح بعد فترة انها في مصلحتي.. 

رغم اني كنت - واحيانا دلوقتي كمان-  بافكر ان؛

لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا في فلوس هدية عيد الأم/عيد ميلاد ماما.. وعيد ميلاد بابا
لو كان ليا اخوات كنا لبسنا من هدوم بعض.. بنات ولا ولاد.. 
لو كان ليا اخوات -بنات- كنا هانتخانق ع السيشوار والجزم والشنط والطرح.. بس احتمال برضه كنا نقعد نسرح شعر بعض تسريحات حلوة.. أو نجرب ألوان الماكياج على بعض..  
لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا في العقاب وساعات المذاكرة وساعات المراقبة جوة البيت وبراه بدل ما كله كان على نافوخي لوحدي!
لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا الحزن والمسئولية والشيلة والغضب لما ابويا مات

لو كان ليا اخوات حاجات كتيرة كانت ممكن تحصل وتطلع برضه في مصلحتي.. 

لكن.. الدنيا قاعدة بتتفرج عليا طبعا انا مش قاعدة لوحدي! 

تبعت لي مواقف أشوف فيها اخوات.. أبكي على حالي ووحدتي وأقول يا ريتني كان ليا اخوات.. وانا هاعمل ايه لما بعد عمر طال او قصر أبقى فعلا لوحدي؟ مش كانوا يبقوا لي سند ووَنس برضه؟!

ايه؟ صعبت عليا نفسي؟ صعبت عليا وحدتي؟!

تروح بعدها باعتة لي مواقف اشوف فيها اخوات... أبكي على حالهم.. ووحدتهم والاسم ليهم اخوات.. ناسيين بعض، واكلين حقوق بعض، قاطعين الرحم، متآمرين على بعض كأنهم أعداء.. أقول الحمدلله اني ماليش اخوات
  
فييجي المشهد اللي بعدها على طول.. أصحاب أقرب من الاخوات.. الاصحاب دول اللي بيحسوا بيك من غير ما تتكلم.. اللي فجأة يهلوا يسألوا عليك كده ولا يقولوا لك تعالى نخرج وفي قعدتنا سوا ننسى الدنيا وما فيها.. اللي من غير مناسبة يجيبوا لك حاجة كان نفسك فيها او بتدور عليها.. وفي المناسبة يجيبوا لك حاجة أهم/أصعب/ أغلى من اللي قبلها.. وَنس ما بعده ولا قبله.. صحبة تطيب الخاطر وتشفي الروح وتجبر القلب.. 

أقول الحمدلله على نعمة وجودهم في حياتي.. ونس وصحبة.. رزق من ربنا.. 

فارجع أفكر.. طيب هو انا ما بقاش ليا اخوات عشان انا كده؟ ولا انا كده عشان ماليش اخوات؟

"كل ميسر لما خلق له" ده الأكيد.. الأكيد ان ربنا اللي خلقني وصورني أدرى بيا مني.. رزقني على قد امكانياتي.. 

ماهو انا ما باستحملش حد يبقى في وشي طول الوقت برضه، مش هانكر! ولو استحملت بابقى خلقي ضيق!
ولا باستحمل حد يعمل حاجة يبقى ماليش مزاج ليها دلوقتي، ولا تتعارض مع اللي انا عايزاه، مش هانكر! ولو استحملت، هاتقوم تلاتين خناقة!

باحتاج مساحتي اللي لا يتعارض معاها وجود/حاجات الآخرين.. وطبعا ده كان هاينتفى لو كان بقى ليا اخوات (ولا هي مساحتي دي طلعت عشان انا اصلا ماليش اخوات؟!)

مش عارفة.. بس الأكيد اني؛

ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات ناسيين وجودي وانا حية.. والأفظع، وانا ميتة.. 
ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات واكلين حقي.. جبروت منهم أو ضعف مني..
ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات ينسوا حق الدم اللي بيننا.. 

ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات زي إخوة يوسف.. لأني ماعنديش تسامح يوسف ولا محبته.. في حين ان اخواته ماليين الدنيا حواليا..  

ساعتها وحدتي كانت هاتبقى أكبر.. 

وعليه، فسواء كنت طلعت كده عشان ماليش اخوات او ماليش اخوات عشان كنت هاطلع كده، أحب اقول:

اللهم ارزقني بعِلم يوسف، وعزيمته، واخلاصه، واعتصامه وعصمته، وارزقني صبره الجميل، وجمّلني بجمال أخلاقه وحلاوة روحه.. واصرف عني اخوته ومن على شاكلتهم ومن اتبع خطاهم ومن اتخذ فتنة الدنيا قرينا.. واكفني شر أن يلقى بي في جُب من نسيان بلا قرار حية أرزق أو وحيدة في لحد.. ارزقني من يذكرني ويؤنس وحشتي ولو ببعض كلمة


Sunday, May 10, 2015

الكتاب وانا

أمي هي صاحبة الفضل اني اتعلم القراية.. بصبر ودأب، علمتني الحروف وتركيبها لما يكون كلمات، وتميت اربع سنين كنت باعرف أقرا.. ولو ماعملتليش اي حاجة تانية في حياتي فكفى به فضل! 


وكطفلة وحيدة، عاشت أول 4-5 سنين في حياتها في حياة اجتماعية محدودة جدا، لظروف سفر الوالد.. ماكنتش باشوف أطفال تقريبا خالص وأغلب اللي باتعامل معاهم كُبار.. زمايل والدي وزوجاتهم وقلة منهم كانوا معاهم أولاد.. وأقرب شيء للأطفال اتعاملت معاه في المرحلة دي كانوا أطفال أكبر مني سناً بشوية.. فعشت فترة مش قليلة قدرتي على التعامل مع الكائن المسمى "أطفال" تكاد تكون معدومة، بالرغم من ان قدرتي على التعامل مع الكبار ماكانش فيها مشكلة، احترام فرق السن موجود لكن بدون تهيب مبالغ فيه.. وفي نفس الوقت كنت باخاف جدا من الأطفال اللي ممكن أقابلهم في طريقي وكنت بالتزم صمت الحجارة لو اتجمعت مع أطفال في مكان واحد.

مع الظروف دي، وتكوين الشخصية ده، كانت القراءة هي الملاذ الأوحد. وكنت كمان معتبراه الملاذ الأكثر هدوءا ومنطقية! 

ماكنتش بافهم ايه الممتع في الجري ولا الصريخ ولا الدوشة اللي بيمارسوها الأطفال دي! والحاجة الوحيدة اللي كنت أصبو إليها كطفلة، كان "عجلة".. كان نفسي يبقى عندي عجلة اركبها وألف بيها.. وماكانتش مجرد أمنية، كان حلم.. طموح.. هدف منتظرة اليوم اللي هايتحقق فيه.. وماتحققش لحد النهاردة.. 

غير العجلة، ماكانش فيه أي حاجة تلفت نظري في ممارسات الأطفال في اللعب خالص.. ولا حبيت أنزل العب في الشارع مثلا.. بطبيعة الحال ده كان هيعرضني للتعاطي مع أطفال آخرين، وده كان كافي تماما لانتفاء الفكرة من راسي. 

فيتبقى لي القراية.. أي حاجة وكل حاجة تقع تحت ايدي اقراها.. بس كنت جبانة برضه.. يعني كنت أخاف اقرا حاجة ماتعجبنيش او أحسها هاتبقى معقدة بالنسبة لي.. ماعرفش ليه! كنت مركزة على الحاجات اللي "عارفاها".. والجرايد والمجلات دي كانت بتتذاكر، مش بس تتقري.

وابتديت أطور اهتمامات، مجالات بعينها أحب اقرا فيها يعني.. السينما.. صفحة السينما يوم الاتنين (أيوة زمان كانت بتبقى يوم الاتنين) اللي كانت من اعداد يوسف فرنسيس دي كانت سحر بالنسبة لي.. 

العربيات.. ملحق السيارات وتفاصيل العربيات الجديدة والعربيات "الكونسبت" وايه بكام وضرايب العربيات والكلام ده كله، لو كان ليا أصحاب ولاد في السن ده، كان هيكون ده محور حديثنا بالتأكيد! 

الأدب.. لما عملوا ملحق الأدب في الأهرام يوم الجمعة، كنت بافصصه.. وبريد الأهرام ياما سحيت عليه.. وكانت بتبقى فرحة العمر لما يكون ليوسف فرنسيس قصة في الملحق، أو يكون مقدم لوحة من رسمه لقصة منشورة في الملحق.. او يكون له قصة ولوحة مع بعض! كنت بانهبل رسمي، وكنت باقصقص القصص اللي تعجبني والزقها في كشكول.. لسه عندي.

وطبعا أي حاجة مناسبة لفئة سني العمرية كنت باقراها.. او مش شرط مناسبة أوي، بس تكون مسموحة من الرقابة.. بمعنى انها منشورة تبع حاجة معروفة، وموجودة عند عم محسن بتاع الجرايد اللي كان على ناصية شارعنا.. ده كان بيخليها واخدة ختم الموافقة، فمن حقي أمد إيدي عليها اشوفها بتتكلم عن ايه، ولو لفتت انتباهي، ماما هاتجيبها لي واقراها ، ولو عجبتني هاتجيبلي ما يشبهها تاني.. وعموما زيارة فرشة عم محسن دي كانت متكررة، فماكانش بيغيب عن عيني أي مستجدات.

طبعا مش محتاجة أقول ان معرض الكتاب زيارة مقدسة من وانا عندي 8 سنين ولحد دلوقتي.. باكتئب لو حسيت، مجرد احساس، اني احتمال ماقدرش أروح.. بس كل سنة لازم ازوغ م الشغل او حتى آخد اجازة واروح!

يمكن كنت الطفلة الوحيدة اللي قرت "كتاب اليوم" و "كتاب اليوم الطبي" قبل روايات مصرية للجيب.. وكتب د. عادل صادق الله يرحمه، هي اللي خلتني حددت اتجاهي في الحياة، من سن 10 سنين، اني "هادرس" علم نفس.. مش "عاوزة ادرس" أو "بافكر أدرس".. لأ.. انا بكل حسم هادرس علم نفس.. بس ماكنتش محددة وقتها هايبقى عن طريق طب ولا آداب.. بس بمنتهى الأمانة الاتنين كانوا متساويين قدام عيني تماما.

ما بانساش نظرة الهلع في عين عم محسن وماما لما طلبت منه كتاب "نساء عاريات".. الراجل كانت هاتجيله سكتة قلبية! وماما لولا الملامة كانت لطشتني كف في الشارع، بس مسكت نفسها وسألتني "نعم؟!" قلت لها ده كتاب د. عادل صادق، تبع كتاب اليوم.. ويمكن كانت اول مرة اشوف حد بيتنفس الصعداء ساعتها.. طبعا الكتاب ده اتفصص قبل ما امسكه حتى، عشان يتأكدوا في البيت انه مش كلام "ابيح" ولا حاجة.. كان كتاب عن حالات لنساء في العيادة النفسية.. بس العنوان كان لازم يبقى لوذعي طبعا.

فاكرة في يوم شوفت د. محمد شعلان، أستاذ الطب النفسي، الله يرحمه، في السوبر ماركت.. وكنت هايغمي عليا من الفرحة كأني شوفت سوبر ستار! وماما اخدتني له وقالت له بنتي متابعاك في البرامج عشان نفسها تدرس علم نفس.. الراجل انتظر يشوف بنتها دي شابة راشدة مثلا، فوجيء ببطة صغيرة كده عندها 11 سنة فاندهش جدا بس كان في منتهى اللطف.. مش فاكرة قالي ايه من كتر ماكنت فرحانة ومبهورة.. بس فاكرة فرحتي كانت عاملة ازاي.

"القصة" اللي كانت بتدرس لنا في المدرسة كانت بتخلص في خلال يومين من استلام الكتب! كنت باحب اقراهم بعيدا عن الدراسة والامتحان والغلب ده.. ما عدا قصة الصقر الجريء -للي يفتكرها يعني - اللي كانت شنيعة، ما طيقتش اقرا فيها صفحتين وعشت انا والناس نتعذب بيها عذاب السعير طول سنة تالتة اعدادي.. يجحمه ده صقر مطرح ما راح!

في يوم ماما جابت لي عدد من أعداد رجل المستحيل.. لو كنت باملك من مفردات هذا الزمان حاجة كنت قلت لها: "ايه الهرت ده؟!" مين ده اللي قد الكف وبيقتل مية وألف وبيتشقلب في الهوا ويتفادى شحروميت رصاصة وهو بيركل حوالي اتناشر ألف واحد بيهاجموه في نفس اللحظة!! ماحبيتهاش لحظة! ولا زهور ولا عبير وما شابههم! كان "هرت" غير منطقي ولا مبرر خالص بالنسبة لي وأظن اني حتى ماكملتش العدد اليتيم اللي ماما جابته وقلت لها ماتجيبيليش العبط ده تاني! 

لكن في واحدة من زياراتي لفرشة عم محسن، لقيت عدد معنون "اين الشيطان".. من سلسلة ملف المستقبل.. يمكن كنت 12 سنة وقتها.. وكانت بداية قصة غرام بيني وبين المقدم نور الدين محمود وفريقه... وكانت صورة "نور" اللي كانت بتبقى في اول صفحة في الكتيبات، تاني صورة أرسمها في حياتي.. وكان الاستاذ اسماعيل دياب الله يرحمه هو من رسم صورة خيال فتى أحلامي... وبكيته بكاء حقيقي لما توفاه الله.

وإذ صدفة، وانا في رحلة البحث عن أعداد الصيف من ملف المستقبل، ولأن على ايامي ماكنش فيه مكتبات ناحيتنا خالص.. المكتبة هي المحل اللي بيبيع أدوات مدرسية وكتب خارجية فقط. أما كتب التسالي والقراية، دي ممكن تتوجد عند بائعي الجرائد فقط وبالصدفة، او بالكتير يعني، وعلى حسب المنطقة، في أكشاك توزيع الأهرام.. وفي هذا الصدفة المجيدة.. في صيف 93، صادفت أول كتيب من سلسلة ما وراء الطبيعة.. اللي لسه أصحاب لحد دلوقتي، وبقية كتابات د. احمد خالد توفيق.

مكتبة الأسرة هي الفضيلة الوحيدة اللي عملها النظام السابق على مدار 30 سنة! برغم انها كانت سبوبة للسرقة والمجاملات والتحيزات والحاجات المعتادة، المدموغة بالختم المصري في أي مشروع، لكنها برضه كانت نافذة على كتابات متعددة، منها الكلاسيكي اللي كنت بدأت أكتشفه وقتها، ومنها الحديث نسبيا.. وكانت فاتحة خير عليا.

أول كتاب أثر فيا وفتح عينيا على عالم الأدب، برة ملحق الجمعة وأعداد المؤسسة، كان من مكتبة الأسرة.. وللغرابة كان معنون "بنت الشيطان" برضه! مجموعة قصصية لمحمود تيمور، اللي وقعت في هوى أسلوبه من ساعتها.. 

ولأني باحب الشعر.. مكتبة الأسرة عرفتني على صلاح عبد الصبور وأمل دنقل قبل اللي كانوا بيدرسوا لنا عربي.. ده غير شعراء تانيين كتير، بس دول كان لهم أكبر الأثر على نفسي. 

مازلت لحد دلوقتي قارئة مخلصة للأدب.. رواية وقصة وشعر ونثر.. مازلت ماطورتش اي اهتمام بقراءة كتب عن السياسة أو التاريخ بصفتهما.. يعني اقرا رواية تاريخية أهلا وسهلا.. رواية ليها اسقاطات سياسية، ما يضرش.. وده نقص كبير طبعا، لكني ماكنتش مهتمة أعوضه زمان، ودلوقتي بقيت مش عاوزة أعوضه بعد اللي احنا عايشينه بنفسنا ده بقالنا كام سنة.

لما بدأت أشتغل، ميزانيتي اتسعت لشرا الكتب.. مابقيتش محتاجة اشتري كتاب مايزيدش تمنه عن 5-10 جنيه! وفاكرة ان اول كتاب غالي اشتريته كان بـ 80 جنيه.. كان كتاب the Zahir والكلام ده كان سنة 2005 او 2006.. والناس اتفزعت - فزع حقيقي - ازاي ادفع المبلغ ده في كتاب! 

حقاً وصدقاً، ده كان أول سبب يخليني احس بالامتنان لفكرة اني "باشتغل".. وقعدت اقول لنفسي، اللي كانت كارهة الشغل وكارهة المواصلات وبهدلتها بسبب الشغل: ما هو لولا الشغل ماكنتيش قدرتي تشتري كتاب بالسعر ده وانت راضية! كنت هاتقدري تروحي تطلبي مبلغ زي ده من ماما؟! لأ طبعا! يبقى تحمدي ربنا ع الشغل.. هو ده اللي هيخليكي تعملي اللي نفسك فيه.. اسكتي بقى وبطلي نواح! 

توالت الكتب بعدها بقى، بدون التفات لأسعار.. ولما كنت باركب مواصلات، كان الكتاب صديقي في الرحلة.. 

اللي خلاني افتكر الرحلة الطويلة دي، 31 سنة تقريباً، اني رجعت لصديقي الأول مرة تانية.. 

كنت كل ما اشوف عندي كتب قد ايه لسه ما قريتهاش، أتحسر، واحس بالذنب.. كأنهم اصدقاء ما بسألش عليهم.. وكنت فعليا أكلم الكتب واقولهم، حقكم عليا، مصيرنا نتجمع.. وافكر، هو انا هاجيب وقت منين لده كله؟ فكنت أحس بالغيظ من الوقت اللي بيضيع في الشغل.. كنت باحس، ومازلت، شايفة ان الوقت ده أولى بيه القراءة والسينما بشدة.. واني لو ألاقي ما يقيم أودي، لتركت العمل بلا لحظة تردد ولا تفكير وتفرغت لما أحب.

رجعت لصديقي الأول عشان بطلت أسوق، ورجعت أركب مواصلات من تاني.. وهي دي ميزة المواصلات الوحيدة على الاطلاق! 

لا أبالي اطلاقا بمن حولي، فأبكي او اضحك بحسب ما يمليه علي صديقي في المواصلات دون تفكير كثير او قليل في فضول الناس وما يفعله بالناس..  

اللي شاغلني بقى من فترة، ان ازاي الواحد بيحن للأصحاب القدامي.. ده طبيعي وبيحصل.. بس كام صاحب قديم لك عنده استعداد يقبلك ويستقبلك بعد غيبة، وبنفس الحب والاخلاص؟ من غير ما يعاتبك ولا يأنبك؟ مافيش! انا نفسي باهري اللي يغيب واللي يتأخر عتاب وتأنيب.. أو كنت.. دلوقتي بطلت.

هل فيه روابط بتتخلق بيننا وبين "الحاجات" اللي بنحبها فعلا، أقوى من الروابط اللي بتتخلق بيننا وبين "الناس" اللي بنحبهم؟ 

هل للأشياء ذاكرة قادرة على الغفران والتجاوز، لا يمتلكها الناس؟ 

لأسابيع، كنت -ومازلت- مشدودة جدا، وباقاوم انفجار الغضب جوايا، لأني مش عايزة أرجع أبقى شخص غاضب تاني.. أيا كانت سخافات الدنيا والناس ما تستاهلش.. هكذا أُذكر نفسي.. لكن الصراع ده مخليني صبري قليل، جدا، اكثر من المعتاد.. وقدرتي على تحمل البشر وسخافاتهم واستخفافاتهم ضئيلة جدا.. صراع مستمر بين الغضب والسيطرة عليه.. عشان نفسي قبل ما يكون عشان "ماحدش يزعل مني".. صراع مستمر بين رفض "رثاء الذات" والعودة للشكوى والبكاء وبين تذكير النفس بإن "هذا، أيضا، سيمُر" وعليه، لا داعي للغضب او الانفجار اللي مش هايضر حد إلا انا..

الصراع ده ما بيسكتش غير لما أمسك كتاب واقرا.. كأنه شخص فضولي راكب جنبي في المواصلات، أول ما افتح كتاب ينهمك في اللي باقراه معايا، وينسى انه كان لسه بيتخانق.. ينتبه انه كان بيتخانق لو بصيت من الشباك مثلا، أو لفت نظري حد بيقول او بيعمل حاجة.. فارجع بسرعة أحاول اسيطر عليه تاني واقوله: "بص، كتاب اهو" فيسكت..

يتقد ويفنجل ويبقى على أهبة الاستعداد للانفجار وانا باتعامل مع الناس.. ومحاولاتي المرهقة للسيطرة عليه بتبقى في ذروتها.. ثم يخمد بمجرد ما اطلع الكتاب من شنطتي..

امبارح، لأول مرة من أسابيع، أحس بهدوء واستعيد سلامي النفسي المفقود، واللي كنت وصلت له بشق الأنفس، لما اشتريت كتب كتيرة ومشيت دراعاتي هاتقع من تقل الشنط اللي فيها الكتب.. حسيت اني خفيفة برغم تقلهم.. حسيت اني راضية عن العالم، برغم الزحمة والحر والمشوار وما زادني رهقاً من سخافات الناس..

تلقاني الصديق القديم بنفس راضية مرة أخرى.. لا لوم ولا عتاب ولا تأنيب.. طبطب عليا.. خدني في حضنه ورجعني العيلة الصغيرة اللي كان لها الورق صاحب.. أثبت لي انه هو الأوفى.. مش عشان الناس وحشة، لكن عشان هو الأحلى..  

شكرا يا صديقي على وجودك في حياتي.. 

شكرا لكل صديق لقيته جنبي وقت ما كنت بابقى كارهة الحياة، وحاول يرجع لي احساس بالامان والهدوء.. سواء كان من ورق او من لحم ودم.. وأوعدكم، اني هاحاول اصفي حياتي من أي ناس/حاجات بتاخد مني وقت انتوا أولى بيه.. 

Thursday, April 23, 2015

لا شكر على...

ماذا يعني أن يشكرك أحدهم على مشاعرك نحوه؟

أيا كان كنه هذا المشاعر، سواء أكانت تقدير او حب او صداقة او أمومة؟

ولا أقصد ان يعبر عن امتنانه لمشاعرك او يبادلك اياها.. ولكن أن "يقول" لك "شكرا"... 

ماذا يعنيه ذلك؟ 

أتفهم ان أتقدم بالشكر لمن يقدم لي "خدمة" ما أو يوفر لي شيء ما.. ولكن كيف أشكر أحدهم على "مشاعره" والتي قد تترجم أفعالاً أو تبقى قيد التعبير بالكلام.. 

تخيل الأمر انك تقول لأحدهم "أنا أكرهك" وكان رده عليك بـ "شكراً"... ماذا يعني هذا؟ هو يسخر منك بالتأكيد! يرسل لك رسالة أن كراهيتك له أقل من أن تؤذيه أو تلفت انتباهه حد الانزعاج او اتخاذ رد فعل بأكثر من كلمة تؤدى بآلية تامة.. 

"شكراً.. انت أتفه من تهمني كراهيتك لي! انت لا تشغل هذا الحيز من تفكيري لكي يزعجني انك تكرهني، أو أن أنشغل بكيفية تصحيح الوضع، وتحويل الكراهية الي قبول او مشاعر إيجابية أخرى.. شكرا لأنك أخبرتني كي لا أهتم بمجاملات فارغة"

شكراً

إذا ماذا لو كان ما قلته هو "أحبك" وكان الرد عليها بـ "شكرا"... ماذا يعنيه ذلك بحق السماء؟!

"شكراً.. انا أعرف اني شخص رائع، يهيم المحيطون بي حبا ويتيهون بي غراما، فشكرا على تأكيد المعلومة"؟ "شكرا لانضمامك لقائمة المعجبون"؟ "شكرا على قيامك بواجبك تجاهي.. انا فعلا أستحق ان أكون محبوباً منك، فشكرا لأنك لم تخيب ظني"؟ 

ماذا تعنيه هنا؟! 

برغم حرصي الشديد على الآداب البائدة من نوعية "شكرا، ومن فضلك، وبعد إذنك" إلا اني في مثل تلك المواقف أجد هذه الـ "شكراً" قمة في الإهانة! او الاستهانة!

"شكراً لاهتمامك" كم هي باردة تلك الجملة حين تخبر أحدهم انك قلقت عليه حال مرضه/انشغاله، أو أنك تود ل تساعده في هذا الأمر أو ذاك.. ساعتها، تبدو شكرا كأنها صفعة! كأنها نظرة شذر تنزع عنك أهلية الاهتمام والمساعدة.. كأن لا حق لك في ذلك.. من انت لتهتم؟ انت أقل من ان تقدم مساعدتك شيئاً.

حين تقابلني إحدى هاته الـ"شكرا" أحاول ان أعبر اني لا اريد شكرا منك بل غاية مناي ان أوصل لك حقيقة تعتمل في عقلي او قلبي او الاثنين معاً.. ولكن أفشل! أشعر بالاهانة والغضب.. كأني أقدم يدي لك مصافحة فتهملها او تصافحني بأطراف اصابع باردة مشمئزة.. أو كأني اقترب لأقبلك فتشيح بوجهك عني كأني مصابة بعدوى ما!

أشعر بغضب شديد! أود لو أصرخ..

أفكر، إن الناس يختلفون عن بعضهم.. ليس كل الناس مثلك تشعر بالاهانة من "شكرا" في مثل هذه المواقف.. هم لا يقصدون سوءا.. هم يعبرون عم امتنانهم بطريقتهم وهذه هي الطريقة التي يعرفونها.. فأصمت... لا ابتسم ولا احر رداً..  

أحاول تفادي "الشكر" في مثل هذه المواقف بالدعاء والثناء على من "يعبّر" او "يحاول".. فأتحوال إلى شحاذة منبرية في الدعاء بحماس لمن يتصدق إليها.. ولا أهتم حقيقة ان  يبدو الأمر كذلك.. ولكني لن أرد مصافحتك باهمال او اشمئزاز.. وان قاربتني بقبلة سألف ذراعي حولك..  أتذكر جملة قرأتها لـ مريد البرغوثي: “ليس هناك ماهو موحش للمرء أكثر من أن يُنادى عليه بهذا النداء "يا أخْ".. ياأخ هي بالتحديد العبارةُ التي تُلغي الأخوة !”
وهكذا أشعر نحو هذه الـ"شكرا".. انا غريبة.. لم يسمح لي بالاقتراب بعد..

الحدود الفاصلة أكثر اتساعا من تعبير عن مشاعر او عرض المساعدة او اظهار الاهتمام، مهما كان أي منها حقيقي، وبلا غرض خفي من ورائه! أنا اقول هذا الآن، لأني أعنيه هنا والآن..

لم تشكرني على أفكاري تجاهك؟ لماذا تشعرني اني اؤديها على سبيل الخدمة او الواجب، ليس لأني أعنيها واقصد أن أنقلها إليك لنأتنس بصحبة او تأتنس افكارنا وأحزاننا ببعضها على الاقل.. لماذا قد تنفي عني اي أمل في حميمية أتبادلها معك بهذه الـ"شكرا"؟! ألا تشعر بقسوتها؟ حقا؟! لماذا إذا أشعر انا بقسوتها كأنها سوط على جلدي؟!!

حساسية زائدة مني؟ على الأغلب ان الأمر كذلك.. ولا داع لكل هذه الدراما..  صحيح ان "الحياة تستعصي على التبسيط" ولكن لا داع لكل هذا التعقيد..

من اليوم، كلما عبرت عن افكاري/مشاعري/أمنياتي تجاه أحدهم وكان رده "شكرا"، سأدرك حجمي.. وسأعرف اني غريبة عنه.. في صمت..

لن أرد الـ"شكرا" بـ"عفوا" تزيد من اتساع رقعة الغربة بيننا..
ولن أردها بابتسامة تجعل الصقيع يدب في أوصال العلاقة..

هو الصمت الرد المناسب على كل هذه الغربة.. وسأصلي لله في قلبي أن يمحو هذه الـ"شكرا" من قاموس المقربين مني الذين أصلي من اجل دوام نعمة وجودهم بحياتي.. ولتكن  صلاتي هي تعبيري الوحيد عن ما أكنه لهم.. حتى وإن لم يعرفوا ذلك أبداً..   

Thursday, December 25, 2014

يوسف


"قد شغفها حبا"


قابلتني هذه الجملة مصادفة وانا أهيم متصفحة بلا هدف...

توقفت أمامها كثيراً... "شَغَفَها حباً"

هو يوسف وقد قطعت النسوة أيديهن حين خرج عليهن.. هذا أمر طبيعي!


ولكن ما باُلكَ أنت شغفتني حباً؟


لست بيوسفٍ.. لا حُسنا ولا نبوة.. لست ابن يعقوب، وان كانت الدنيا قد لطّمتك يتيماً وتشتت بك السبل كابن يعقوب بعد أن أكله الأخوة الذئاب....
تقبع مستوحداً متوحداً في غيابة جب أحلامي، شغفتني حباً وغبت.. لا أملك حتى أن أراودك عن نفسك، كامرأة العزيز!
مالي لا أقدر على حب سواك، مهما حاولت؟ مهما قاومت صورتك؟

ما بالك انت شغفتني حباً فزهدت فيمن عداك؟

مالي حتى لا تطاوعني حروفي كتابة عنك؟ وصفاً لك... تيهاً في رحابك...
هل أقدر يوماً أن أجسدك كتابة؟ أن أضمنك في حروف وجمل وتراكيب اللغة فتبقى ما بقيت اللغة وتحيا حتى بعد فنائي أنا، كاتبة حروفك؟ هل تسعك لغة ما يوماً ما؟ هل أملك من المهارة ما يرسمك ويصفك فيخرجك من بين ضلوعي حياً على ورق؟ هل تسعك الأوراق؟
أهملت الرسم حين أيقنت أني لن أستطيع رسمك يوماً.. هل أهجر الحرف كرامة لك حين يعجز هو الآخر عن وصفك؟ وماذا يبقى لي؟
أنت؟ أتبقى لي؟ أتبقى معي؟ لو كان الأمر كذلك، فلتهجرني اللغة والحروف كما هجرت الرسم يوماً، وكفى بك نعمة...

ما بالك أنت شغفتني حباً فزهدت فيمن عداك حتى يداي ولساني؟


هل قلت أنك لست بحُسن يوسف؟ مالي إذا يسيل دمي طوعاً، دون سكين، إن لامستني عيونك، تقرباً وقرباناً حتى تبقى... فلم تعد تكفي الدموع كأضحية تراق تحت قدميك، وما عدت تبقى... ألست حقاً بحُسن يوسف؟ مابال هذه العيون تسبي، وهذا اللَحظ يقتُل؟ وهذه الابتسامة تنفي عن الأرض دورانها سوى في فلكك؟ كيف للون الحنطة أن يُذهب العقل إلا لتعلقه بجسد جعل الله له من السلطان ما شغفني حباً؟ ألست بحسن يوسف؟! بلى والله لقد أنعم الله علي برؤية يوسف فيك.. ووقر في قلبي ولع النسوة به، فيك... وشغفتني حباً كما شغِف يوسف زُليخة حباً...

فكفى بك يوسفٍ في الحياة الدنيا.. وليغفر لي الله، فأنا لم أكفر بيوسف وحسنه ونبوته، بل أقسم بهما أني آمنت بعبدٍ من عباده ملأ القلب والعين والروح بفضل من الله وجزيل مِنّتِه.. ولا أظن الله رازق أحدًا بنعمة كتلك، وبه غضب عليه..


هل قلت انك لست بنبوة يوسف؟ مالي إذا لا يعرف خبايا نفسي سواك؟ ولا تأويل لرؤياي إلا برؤيتك؟ ولا يسمع صمتي غيرك؟ ولا يهدهد روحي سوى كفك؟ ولا يطيب خاطري سوى ابتسامتك؟ ولا تفتنني سوى كلماتك كأنك شاعر، أو ساحر، أو مجنون؟ كيف لهذه الكف أن تحيي القلب بلمسة؟


كيف لمن لم تؤتَ له النبوة أن يهديني لصراط النفس المستقيم؟ أن يشعّ في حياتي نوراً؟ أن يبعث موات نفسي، فتشرق بنوره مرة أخرى وترى الخير في كل نفس، والجمال في كل قبح؟ ان ينفي عن قلبي الغضب، بنظرة؟ وأتبعه بلا موعظة؟ أن يشغفني حباً؟


ما بالك أنت شغفتني حباً فزهدت عمن عداك حتى يداي ولساني وذهلت بحُسنك واتبعتك دون نبوة؟


أنت يوسف ـي ، وسأراود حروفي وكلماتي عنك حتى تخرج من جُب أحلامي.. حتى وان كان الثمن أن يسيل دمي طوعاً، دون سكين، شهادة فيك.. وليرحمني الله في الآخرة ولا يحمل علي شغفي بك في الدنيا.. فهو رازقنيك.. وهو من ابتلاني بشغف لا شفاء منه إلا به... فطوبى لي إن مت شهيدة يوسف ـي... ذلك الذي شغفني حباً....


****



شكراً لمن قابلتني جُملتها صباحاً بأن هناك من شغفها حباً، فذكرتني بذلك الذي لا أنساه...

Wednesday, October 8, 2014

فَعُذرُنا...


إهداء للبنت اللي بتشوف الواد إياه - يحميه لشبابه - فترتبك وتتلخبط، ودقات قلبها تتجنن، واطرافها تتلّج وماتنطقش ولا كلمة.. إلا بعينيها... 
######

"دايما مشغول في حاجة... مابترفعش عينيك.. مابتشوفنيش"*

######

وجه جديد في الدرس.. ماكانش بيحضر طول السنة.. ظهر فجأة في حصص المراجعة النهائية.. اللي هم آخر حصتين!

الوحيد اللي ما بصش مرتين، ولا حتى مرة، للبنت اللي كان كل الولاد في الدرس ملمومين حوالين شقاوتها اللي غلبت سنها الصغير..

قعد في حاله بعيد عن الكل.. طبعاً لفت نظر المدرس اول ما دخل..

مش عشان حضوره اللي فرض نفسه في وسط المجموعة من غير ولا كلمة.. ولا عشان راسي وتقيل وشكله مش خفيف زي باقي الموجودين من سِنّه.. ولا عشان شعره الاسود الناعم اللي ماكانش عامله زي تسريحة أي حد من المطربين.. ليه لفت نظر المدرس.. أو نظرها؟ ماحدش عارف!


- "انت اول مرة تيجي! اسمك ايه؟"

- رامي

- طيب تعالى قدامي هنا يا رامي


طبعا الكل استغرب تصرف المدرس.. رامي طويل - يحميه لشبابه - مش هيتضايق لو قعد في تاني صف ولا حتى آخر صف! طيب واللي وراه يشوفوا ازاي؟!

لقيت نفسها متلخفنة ومتلخبطة ومتوترة.. اصل ماكانش فيه حد قاعد في الصف اللي قدام غيرها.. الصفوف مش كتير صحيح، بس كمان عددهم مش كتير.. فكل واحد قعد في مكان براحته.. كده، هايبقى بينهم كرسي واحد بس.. كرسي واحد!

مَر من ورا لقدام عشان يقعد مكان م المدرس قاله.. اتاخرت بالكرسي شوية عشان يعرف يعدل كرسيه.. عينيه مرت على وشها.. قام وشه احمرّ! وهي بسرعة دورت وشها الناحية التانية أحسن حد ياخد باله.. ياخد باله من ايه؟!! ولا حد فاهم حاجة

-"انت في مدرسة ايه؟"

- "بيقول اسم المدرسة اللي نسيته دلوقتي.. طبعا! ماهو عدى عُمْر!" 

- "وناوي تدخل كلية ايه؟"

- "هندسة"

- "فاضلك كتير على مجموعها"

- "لا.. لو قفلت المادة دي"

- "بابا مهندس وعاوز تبقى زيه؟"

- "لا بابا مدرس رياضة"

- في مدرسة ايه؟"

- "متوفي"

كان اول حد تشوفه من سنها، يتيم... كانت بتحس ان اليتم ده ماينفعش يحصل للي في سنهم.. يا يبقوا صغيرين اوي، يا يبقوا كبار أوي.. لكن في النص كده مش عدل! لا منهم اصغر من انهم يفتكروا اللي راح.. ولا كبارفيقدروا يقولوا انهم عرفوهم كفاية..

كانت على وشك تمد إيدها تطبطب عليه.. لكن يادوب قدرت تمد عينيها ناحيته... كان رافع راسه كأنه عايز يخليها اعلى من ايد اي حد عايزة تطبطب عليه.. وقبل ما تدور وشها، لمحته بيبص لها بطرف عينه.. بس ماحدش عارف ليه ايديها تلّجت فجأة في عز الصيف في اللحظة دي..

خِلِص الدرس.. خرجوا كلهم يعملوا زيطة.. المدرس كلمها كلمتين فخرجت متأخرة بعدهم.. لقيته واقف برة بعيد عن المجموعة، وبدأ يتحرك لما خرجت من الباب..

فضل ماشي قدامها وكل كام خطوة يبص وراه.. يلاقيها وراه، يكمل مشي.. 

وصلت عند بيتها.. وقفت شوية.. مسافة خطوتين أقل.. لحد ما بص وراه.. لقاها بتعدي الشارع.. وقف لحد ما دخلت البيت وبعدين كمل مشي... 

وماجاش الحصة التانية!

######

لون قميصه.. طوله.. شَعره.. شوية ملامح.. وإسم.. دول اللي فضلت فاكراهم عن الولد الغريب اللي ماجاش تاني حصة مراجعة، مع انه كان محتاج يقفل المادة عشان يدخل هندسة... 

######


رايحة هي وزميلتها يصوروا ملزمة مادة ما.. طبعا مش فاكراها! ماهو عدى عُمْر!!

دخلوا محل التصوير.. اللي كان ورا الجامعة.. هم لسه فيه منهم ورا الجامعة؟ الله أعلم! 

الولد استظرف عليهم.. كتمت غيظها رغم انها كانت عايزة تسمعه كلمتين تعرفه مقامه.. اخدوا ملازمهم وخارجين وهي ودانها بتطلع دخان م الغيظ وصاحبتها بتراضي نفسها وتراضيها بكلمتين.. خبطت في عينين..

اتلخفنت واتلخبطت واتوترت.. والعينين كانوا في وش ابيض منور، فجأة احمرّ... 

ليه الممر ده عدى بسرعة كده؟ كان لازم تبقى بتمشي بسرعة وهي متعصبة يعني؟! حاولت تهدي من خطوتها شوية.. المرة دي كان وراها.. 

ايديها تلّجت، برضه في عز الصيف.. "مال ايديكي تلجت كده ليه؟" ٍالتها صاحبتها وماعرفتش ترد... 

بصت وراها لقيت وشه باصص عليها من وسط الزحمة.. اتلخفنت اكتر وثبتت مكانها..

- "انتِ نسيتي حاجة هناك ولا ايه؟!"
- .......................

مشيت خطوتين كمان ولما بصت وراها تاني... مالقيتش غير الزحمة...


######

- "وبعدين يا خالتو؟! ماتقوليليش انك مشيتي!!!! "

- طيب كنت اعمل ايه؟ اصلا كان هيفتكرني ازاي بعد اربع سنين؟!! ولا كنت هاقوله ايه؟؟

- تكلميه!! تقولي له كنا بناخد درس سوا مثلا!!!

- على حصة واحدة اقوله كنا بناخد درس سوا؟! مش مفقوسة شوية؟! 

- مفقوسة بقى ولا مش مفقوسة.. المهم تكلميه! تفتحي مجال لحوار!! 

- يا سلام يا ست الجريئة!! وكانت فين الجراءة دي النهاردة مع "يحميه لشبابه"؟؟ 

- هه؟!!! إحم... 

- شوفتي بقى؟! آديكي اتلخفنتي واتلخبطتي واتوترتي ع السيرة!!.... انا بس كان نفسي أعرف راح هندسة زي ما كان نفسه ولا لأ!!

- ......... تفتكري ايه؟!

- .......... انتِ بقى هاتعملي إيه؟! ناوية تستني اربع سنين؟!

-ـ .........

- طيب... تصبحي على خير...

##############

* قالت له كده لما قررت تعترف له.. بعد سنين كتير... 

###########



Sunday, June 22, 2014

34

من الحاجات اللي الناس كانت بتستغربها لما تعرفني، اني ليا عيدين ميلاد!! واحد بنحتفل بيه في تاريخ ميلادي الهجري والتاني في التاريخ الميلادي عادي..



و طول عمرنا بنحتفل في بيتنا بالاتنين عادة، الحفلة الكبيرة كانت عادة بتبقى في التاريخ الهجري، مش تزمت ولا حاجة، لكن عشان كانوا متصورين وانا صغيرة اني محسودة وكنت باقع من غير سبب كتير، وكل عيد ميلاد ليا كانت لازم تحصلي مصيبة كبيرة ابقى هاموت فيها (طبعا الناس كلها عارفة تاريخي الإسود في الحوادث) فقالوا على سبيل البركة خلينا في الهجري يمكن يزول عنها الحسد..

واصحابي القدام عشرة العمر عارفين الموضوع ده.... لحد النهاردة بيكلموني يعيدوا عليا في الهجري حتى اللي منهم في بلد تانية.. ويمكن بيفتكروه أكتر من الميلادي بالتعود كده :)



جدير بالذكر ان السر ورا الحكاية دي، أبويا.. هو اللي كان حافظ تاريخ ولادتي الهجري و هو اللي اقترح موضوع الاحتفال بيه على سبيل البركة ورفع الحسد.. رغم انه في حياته وفيما يخصه كان شخص لا يتطير مطلقاً تقريبا.. ولا كان له في جو الناس عينيها حارّة وداري على شمعتك تقيد والحركات دي نهائياً... بس ماعرفش جت له الفكرة دي ليه وازاي.. بس اللي حصل!



كان جو الاحتفالات بيبدأ من قبل التاريخ نفسه بأسبوع.. أمي كانت أستاذة في عمايل التورت والحلويات -زمان لما كان لها نِفْس- وكانت تبدأ تجهز البوفيه العامر بخمس ست أشكال وأنواع تورت مختلفة، غير البيتي فور تلات أربع أنواع والبسكوت بالمحلب والبسكوت من غير محلب وفطير باللحمة وبالجبنة وحاجات كتير اوي من قبل التاريخ بأسبوع.. مع تنضيف البيت اللي كان بيبقى شبه تنضيف العيد..



طول الأسبوع ده وكل يوم بابا يقولي "كل سنة وانت طيبة يا أُوتي" او اسم الدلع التاني اللي كان سر بيننا احنا التلاتة وأميرة بحكم الوقت اللي كانت بتقضيه في بيتنا (يارب تكون نسيته!).. ومش مثلا يقولي الصبح اول ما نقوم وخلاص، لأ.. الصبح لما نقعد نفطر سوا، وقبل ما أنزل المدرسة، ولما يرجع م الشغل، وقبل ما أنام.. ده كان ترتيب حركتنا في البيت بصفتي بانزل المدرسة قبله وبيرجع من الشغل بعدي وبانام قبله.. وماكانش الموضوع بيقف عند كده –طبعا- ده كان بيستمر كمان الاسبوع اللي بعد عيد الميلاد، بنفس ترتيب المرات..



كتير كنت أضحك، وابقى مبسوطة.. وكتير كنت أزهق من التكرار.. خلاص بقى يا بابا هو كل شوية؟ أيوة كل شوية هي مناسبة قليلة يعني!! ده عيد ميلاد أي كلام يعني أومال لما يبقى عندي 16 ولا 18 سنة هاتعمل ايه؟ هافضل برضه أقولك كل سنة وانت طيبة كل شوية



وفي مرة زعل اني زهقت من تكراره لجملة كل سنة وانت طيبة دي وقعد يوم بحاله مايقولهاش.. فلما حسيت انه زعلان مني جيت انا وقلت له "كل سنة وانت طيب يا بابتي" بصّلي بعتاب كده وسكت فاعتذرت له – على قد ما انا فاكرة – ورجع قالها لي تاني يوم...



طبعا مش محتاجة أقول ان الجو ده كان بيتكرر في التاريخين، الهجري والميلادي حتى لو الحفلة اللي كانت بتتعمل في الميلادي كانت بتبقى أصغر وأضيق من حفلة الهجري، اللي كان بيبقى سهل ييجي فيها صاحبات المدرسة بحكم اننا في وقت الدراسة يعني لكن الميلادي كنا بنبقى أخدنا الأجازة وناس كتير بتسافر أو للدقة يعني انا علاقتي بيهم كانت بيتعمل لها Pause لحد ما ترجع الدراسة، فكان يادوب بيبقى على قد الأهل وخلاص..



بقالي يومين سرحانة في الموضوع ده بما اني قعدت أحتفل بعيد ميلادي اسبوع بحاله قبل وبعد..



ما بين قبلها بأسبوع فطار مع قرينتي الجوزائية صاحبة اليد الذهبية في الطبطبة على روحي، وبعدين مقابلة مع الأصحاب القدام عشرة العمر اللي غنوا لي كل اغاني العيد ميلاد بما فيها ابو الفصاد واحنا في العربية بعد خروجة متأجلة بقالها 3 سنين، وضحك من القلب، وحفلة، وحفلة تانية بأصوات ومحبة من السما قبلها بيوم، ويومها سينما وحفلة صغنونة في البيت مع أمي الكبيرة وامي الصغيرة وبنتي وبنت بنتي وكتاب هدية لروحي، وبعدها بيوم خروجة مع ابني ومرات ابني وصديقنا وهدية وورد، وبعديها بيوم كمان خروجة سينما تاني وهدية من امي الصغيرة التانية و طبيبة روحي، وبعدين حفلة، وبعدين سينما وكتاب تاني هدية لروحي في نهاية اسبوع الاحتفالات بعيد ميلادي.. كانوا أسبوعين لطاف الحمدلله برغم انه ضاع فيهم وقت كتير اوي في الشغل بس معلش كلنا لها.. ده غير المكالمات والرسايل الحلوة أوي اللي فرحتني وخلتني مزقططة بجد...



بقالي يومين سرحانة في الاحتفالات اللي عودني عليها أبويا.. وفكرة 2 عيد ميلاد في السنة - صحيح مابقيتش احتفل بيهم بقوة وهيصة زي زمان لكن الفكرة موجودة وكل ما حد هيفتكرني في تاريخ منهم هاتفضل موجودة - وجيت النهاردة حسبتها لقيته احتفل معايا بـ 34 عيد ميلاد بالتمام والكمال..



17 سنة قضيتهم معاه مضروبين في 2 عيد ميلاد كان هو أول واحد يحتفل بيهم يطلعوا 34 سنة...



لما طلع لي الرقم ده فكرت، هو كان عارف وبيعوضني في 17 سنة عن حاجات مش هيقدر يعملهالي 17 سنة قدام؟ طيب وياترى اللي جاي، أياً كان قد ايه لسه جاي، هيبقى معايا برضه؟



آه طبعا هايبقى معايا، لأني هافضل أحتفل بعيد ميلادي أسبوع قبل وأسبوع بعد لحد ما ربنا يأذن، أو لحد ما تبقى عيبة في حقي اني احتفل بعيد ميلادي بقى لما أبقى كركوبة ومكحكحة..



آه طبعا هايبقى معايا، عشان هيفضل دايما فيه فرق 8 أيام بين عيد ميلادي وتاريخ وفاته.. اللي بالمناسبة برضه كان من الحاجات القليلة اللي كان فاكرها وبيسأل عنها في أيامه الأخيرة برغم حالته الصحية.. وبرضه افتكر يقول لي كل سنة وانت طيبة يا أوتي.. صحيح مش لمدة اسبوع بس افتكر.. وفوت يوم بين اسبوع الاحتفالات عشان يديني فرصة انبسط...



شكراً يا بابتي على كل عيد ميلاد قضيته معايا وفرحتني بيه وماحسيتش بقيمته ساعتها، زي كل حاجة في حياتنا، لكن فضلت أحس بقيمته بعدها بـ 17 سنة... والله أعلم لحد امتى..



شكراً يا بابا.. وكل سنة وانت معايا...









Wednesday, February 12, 2014

صلاة... حب

كـ "ست أمينة" أصيلة، تحفّ أحبابها و من يهمهم أمرها دوماً بالدعاء.. أحيانا يضحكون و تضحك معهم من كثرته او تكرره في نفس اللحظة.. و لا أحد يشعر أن ندائها "يا رب" حين تبتهل إليه من أجلهم مختلف في كل مرة.. 

كلما زاد اقترابهم من قلبها، كلما كان النداء أعمق... لكم ترددت أصداء "يا رب" في روحها قبل أن يلفظها لسانها.. يهزها الدعاء و تستشعره في قلبها قبل ان يخرج مسموعاً إليهم.. أو حتى قبل ان تتشكل كلماته في عقلها.. دوما "يا رب" تسبق كل الكلمات و تتغلل بينها في وجدانها و قلبها.. من أجلهم فقط...

تستدعي المرات التي ابتهلت فيها إلى الله من أجلها.. تقل حرارة كثيرا عن تلك التي تدعوه فيها من أجل "أحدهم"... 

حتى لو لم يدرك.. حتى لو لم يعرف.. حتى لو بدا الدعاء مكررا ساذجا طفوليا و مضحكا أحيانا لما يرتسم على وجهها سمت أم من القرن التاسع عشر تبتهل بالدعاء لأبنائها.. لا تهتم! 

المهم ان دعائها له يخرج من الروح قبل الفم... دوماً....

************
"شايفة بيعملوا مع خالك ايه؟!" 
"معلش يا خالو...!"
" إدعي لي بقى..."
" يارب يعرفك الخير و يبعد عنك الشر"

تتذكر تلك الطفلة ذات العشر سنوات، واقفة بالمطبخ جوار خالها الذي يواجه صعوبات ما.. و لا تذكر أي حوار دار بينهما - من أي نوع - يسبق ذاك... على الاطلاق!

************
*رجعوني عينيك.. لأيامي اللي راحوا....... *

يدير تلك الاغنية بدون مبرر ولا داع ولا سبب و هي تزور منزلهم مع والدتها.. الفتى مغرم يا ولداه! 

و كابن جيران أصيل يحترم نفسه، يتبع الخطوات المعهودة من انتظار في الشرفات و متابعة لرحلة العودة من المدرسة كلما سنحت الفرصة... يتظرف مع أمها و يتلكأ في متجر الأدوات المدرسية بدون سبب واضح سوى "انها هناك.. الآن"

لا تهتم إطلاقا!! يلكزنها الرفيقات و يتغمزن عليه كلما مر جوار قافلتهم الصغيرة، حتى تحمرّ أذناه و يهرب من عِظم كيدهن...

و هي مازالت لا تهتم إطلاقا!!

إلا انها تضبط نفسها يوماً تدعو له - سراً طبعا!! - أن ينجح في اختبارات القبول في الكلية التي يتمناها... و لا تهتم -بعدها- إطلاقا!..... حقاً!

************

يتلبس الدعاء ثوب النضج و اللغة الصحيحة التي تشب عن طوق الطفولة بلا رجعة و هي تقف فوق قبر أبيها المفتوح تُأمن على دعوات الداعين له من أقارب و أغراب على السواء... تستمع بقلب اطمأن في كف الرحمن، فكف عن البكاء و سكن...

************
مشهد 1:

يوقظها صوت ضحكات أمها، سعيدة راضية، متصنعة السخرية..."ياختي! بتدعي له و انتي نايمة؟! يا عيني ع الحب و عمايله... ربنا يسعدكم، و تحلوا عنا بخطوبتكم دي و تتجوزوا بقى و نخلص منكم!"

تتبعها بقبلة على خدها المبتسم خجلا لافتضاح الحلم...  

مشهد 2:

تربت على خد أمها لتمسح دموعها.. و تبتسم ابتسامة راضية مطمئنة و تردد "قدر الله و ما شاء فعل..."

فترد عليها أمها: "ربنا يعوض صبرك خير"... تبتسم و تعرف ان الله قد عوضها خيراً فعلا حين حمل قلبها مرة أخرى بين كفيه، و لم يدعه يسقط فينكسر.... 

*************

يستدعون - بدون داع - ذكريات الظلم.. يلوكون الحكاية تلو الحكاية و يحتشد الظلم بداخلها ظلمات من غضب..

لسنين ظل يأكل من فرحتها و يصبغ حياتها بظلال كابية من دخان نيرانه المستعرة طويلاً... يعميها دخان الغضب و ظلمات الظلم فلا ترى كيف تقود سيارتها.. تقود كالمجانين، لا تعبأ بزحام ولا مشاة و لا رصيف و لا قائدي السيارات الاخرى الذين يبدو و كأنهم استشعروا جنونها فتجنبوا مسار سيارتها تماما..

التفتت لتجد أمها متشبثة بمقعدها، مصفر وجهها من الرعب و تلتمع في عينيها دموع خوف تحاول حبسها...

فتصرخ "يا رب... مش مسامحاهم يا رب..."

توقف سيارتها على جانب الطريق، لأنها لم تعد تميز الطريق نهائيا...

تبكي طويلاـ حتى أوضحت لها الدموع الرؤية - كالعادة - فتستأنف المسير...

و قلبها، باحثا عن كف الرحمن، يقول:"انت حسبي..." و لم تغضب غضبة كتلك بعدها ابدا

*************

"يا رب انصرنا"... "يارب احميهم"... يا رب مد ايدك"... "يا رب، بنغير من نفسنا، ساعدنا يا رب"... "يا رب انتقم"... "يا رب ارحم"..............

"اللهم اضرب الظالمين بالظالمين و اخرجنا منهم سالمين".................................

*************

"يا رب يسعدك و يرضى عنك و يراضيك"... "ربي يجعل ايامك فرح و رضى و بركة و يرزقك راحة البال"... "يا رب اجبر بخاطر جابرين الخواطر يارب و اجعلنا منهم دايما"

دعائها الأقرب لقلبها... ينطقه قلبها لـ "هؤلاء" فقط...

"هؤلاء" من جبروا انكسارها و شدوا من أزرها فلم تسقط فريسة لغضب مرة أخرى..

"هؤلاء" من مسحوا من عينيها الدموع و منحوها رؤية صافية بصفاء قلوبهم...

"هؤلاء" الذين وهبهم الله نعماً و منحاً استثمروها في محبة الموحودين، و جبر المكسورين، و شفاء لقلوب أعياها الزمن.. فضاعف الله لهم الأمثال.. فأحسنوا إلى خَلْقه.. فزادهم، فزادوا إحسانا... 

"هؤلاء" الذين ينفلت قلبها بالدعاء لهم بمجرد ان يمروا بخاطرها.. تنادي " يا رب" من أجلهم باخلاص حقيقي... تتمنى لو يمن عليها الله بمقدرة، تستطيع معها ان تغسل الهم عن قلوبهم.. و تكف الأذى عن طريقهم..

"هؤلاء" الذين حولوا ظلمات ظلم أيامها لـ نور...

"هؤلاء" الشموس الصغيرة..... يا رب ارض عنهم و راضيهم و فرح قلوبهم و اسعد ايامهم و ارزقهم راحة البال...

ـ**************ـ

"إنو عنجد ما أحلاه"... تقولها ريم بنا... فتبتسم و تدندن "مافيش كده.. ولا في المنام" و يهمس قلبها "يا رب حلّي أيامه..."

"قربك نعيم الروح و العين".. تقولها السِتّ.. فيفوّت قلبها دقة ليردد "يا رب انعم عليه بالخير و البركة..."

بمبررات او بدون.. مر بخاطرها أم لم يمر... فجأة، تدعو له!

و تكتب:

"و كلما ضبطت نفسي أدعو إليك دون انتباه ولا قصد.. تتزامن ملامحك مع خروج الدعوة من قلبي قبل لساني.. كمثل الفعل اللاإرادي، كالتنفس و انتظام ضربات القلب - إلا في حضورك -... كأم يلهج قلبها بالدعاء لابن غائب عن عينيها و لا يغيب أبدا عن قلبها.. أعرف مكانك من القلب (هو القلب كله).. فيتصل دعائي لك... و يزيد..."

فتزيد:

"يا خالق النور.. يا من جعلت له من النور نصيب، قَسّمَهُ راضيا مختاراً على قلوب أعتمها الهم، زد من نورك في قلبه و اسبغه على أيامه رضى و فرحة و اجبره.. يا خالق النور..."

و تضبط نفسها -للمرة الـ كم بعد الألف يا ترى؟! - تزيد من الدعاء.. "اللهم استجب"