عشوائية

أتساءل: ما الذي تفعله امرأة تشعر انها بالصدفة، بالصدفة المحضة، بقيت على قيد الحياة؟ كيف تسلك في الدنيا إن كان وجودها، كل السنين والشهور والأيام واللحظات الحلوة والمُرّة التي عاشتها، فضلَة حركة عشوائية لقدر غريب؟ كيف تسلك في الدنيا؟"


د. رضوى عاشور

Thursday, September 3, 2015

الأخت ماري

** تحديث لتدوينة قديمة


الأخت ماري
هكذا كانت توقع شهادات درجاتنا الشهرية والسنوية.. وبمنتهى السذاجة لم اكن أستوعب أن ذلك التوقيع يعني "Soeur Marie" رغم اني أفهم الترجمة، ولكني بشكل ما لم أربط بين الاثنين.

كانت مديرة مدرستي.. وكانت مثال الشخصية القوية جدا، الحازمة جدا، عارمة الحنان، في آن واحد.

نظرة واحدة منها كانت كفيلة بدفعك دفعا للارتعاد خوفا إن كنت قد ارتكبت حماقة ما، حتى بدون أن تنطق هي حرفا!
ونظرة أخرى تعيدك لسجيتك الطفلة، فتحكي لها نكتة "مرة واحد راح يقعد على قهوة قعد على شاي" لتقهقه هي ضحكتها الملتزمة المرحة، وكأن النكتة مضحكة حقا.. فتشعر وكأنك قدمت للبشرية انجازا عظيما، فقط لأنك أضحكتها.

الوحيدة التي استطاعت ان تقنعني أن أتوقف عن قضم أظافري، بعد ان شَكتني أمي لها.. نادتني يوما بعد انتهاء اليوم الدراسي ونظرت لي بهدوء حنون، حدثتني عن الدراسة والمذاكرة وما شابه، ثم نظرت إلى أصابعي التي كانت قد قاربت التشوه، وبلِومٍ هاديء قالت:
"ايه ده؟! ضوافرك ليه شكلها كده؟"
رددت خجلى: "أصلي باقرقضهم.."
قالت: "هو فيه آنسة  كبيرة زيك كده وتقرقض ضوافرها زي الأطفال الصغيرين؟! بصي ضوافري عاملة ازاي؟ مقصوصين ونضاف مش متعورين ومتقرقضين.. ينفع آنسة كبيرة زيك تسيب ضوافرها شكلها كده؟"
هززت رأسي أن "لا".. فنظرت لي نظرة ذات معنى وابتسمت..
دار بيننا هذا الحديث وانا في الخامسة من عمري وإلى الآن – بعد ثلاثين عاما – لم يحدث أن قضمت أظافري مرة أخرى ابدا.

كانت تسعد لنجاحاتنا الصغيرة سعادة حقيقية.. وتناقش معنا أسباب أي تراجع عن معدلات تحصيلنا المعتادة. لم يحكمها شيطان العند والكِبر لما اكتشفتُ غلطة في امتحان الحساب للصف الاول الابتدائي، وقالت ان الحق معي بكل أريحية، أمامي، وطالبت المُدرسة بتقسيم درجة هذا السؤال على باقي أسئلة الامتحان وعدم احتسابه ضمن الدرجات.

لا أذكر عدد المرات التي شاركتنا فيها "الفسحة".. وهي مديرة المدرسة.. تضاحكنا وتحادثنا وكأنها ابنة الثامنة او العاشرة مثلنا.. لا أذكر كم مرة رأيتها تلعب مع بنات الحضانة "فتّحي يا وردة".. او استغماية..

ولا أنسى المرات التي كانت تجمع فيها كل طالبات المدرسة المتجمعات في موعد فسحة واحدة في قطار طويل تتقدمنا هي وتدور بنا في ساحة المدرسة.. وقع أقدامنا وصوت "توووت توووت.... تش تش" تردد صداه حوائط المباني من حولنا، وهي معنا.. ولا تتخلف فتاة واحدة عن الانضمام.
حتى أولئك الـ"آنسات الكبيرات" اللاتي يفضلن الجلوس والتحدث بهدوء عن الجري والصخب من أمثالي، أو حتى الفتيات المنطويات اللاتي لم يشاركن أحدا فسحتهن ولم يشاركهن أحد؛ كانت تُصرّ على ان تشارك كل فتاة في القطار ولا تتحرك من أمامها الا بعد ان تنضم للصف الطويل، المؤلف من فتيات خمسة فصول دراسية كاملة.
لا أذكر اني رأيت احداهن متأففة او منزعجة لاقتحام عزلتها وانعزالها، على العكس، ربما كانت تلك هي المرات القليلة التي ارتسمت فيها ابتسامات صادقة وصافية على وجوه تلك الفتيات وضحكن من قلوبهن فعلا، وعشن طفولة لحظية لم أدرِ لاحتجابها سببا كطفلة.

لا أنسى ركوعها بكل أريحية في الفناء لتعقد رباط حذاء هذه الصغيرة أو تلك، حتى لا تتعثر خطواتها الطفلة.. لا أنسى لهفتها على أية طالبة تحتاج للذهاب للعيادة في أي طاريء مرضي، فتذهب لها مطمئنة، ومعها كوب نعناع دافيء او سندويتش المربى التي تصنعها راهبات المدرسة.

لا أنسى يوم حبستني أحداث "الأمن المركزي" في المدرسة، وأخذتني معها لسكن الراهبات، وأعدت لي الكيك والسندويتشات، وحرصت على أن اتم واجباتي المدرسية، حتى تمكنت أمي من اصطحابي من المدرسة في الثامنة ليلا.

ولن أنسى العروسة، و"طقم الشاي" الوردي اللذان كانا بانتظاري كهدية شفاء بعد اجرائي لعملية اللوّز وعودتي للدراسة.. واحتفالها مع زميلات الفصل ومدرساته بـ "عودتي سالمة".

الآن أرى تلك الشخصية ذات الحضور القوي الكاسح، الذي يتحول لحنان جارف بلا أي تصنّع.. ولا يسعني إلا أتفهم كيف كانت لها القدرة على تحويل الرهبة والاحترام اللذان أشعر بهما إلى امتنان ومحبة وانبهار.. كأنها الأخت الكبيرة التي تقوم بدور أم البديلة في التقويم والمحبة لا يبغي أحدهما على الآخر مهما كانت الغاية..  فيترائى أمامي بعدا آخر لتوقيعها على شهاداتنا؛ الأخت ماري.


Tuesday, September 1, 2015

رسالة وداع من لاجىء سوري

رسالة وداعية كتبها لاجئ سوري قبل غرقه في المتوسط:
شكراً للبحر الذي استقبلنا بدون فيزا .. وشكراً للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي
وكالة الأناضول - تداول ناشطون سوريون على شبكات التواصل الاجتماعي، نص رسالة قالوا إنها وجدت في جيب أحد اللاجئين السوريين الذين انتشلت جثثهم بعد غرق مركبهم الذي كان يحوي المئات من المهاجرين غير الشرعيين في البحر الأبيض المتوسط خلال رحلتهم للوصول إلى الشواطئ الأوروبية مطلع الأسبوع الجاري.

وفيما لم يبيّن الناشطون معلومات عن هوية صاحب الرسالة الوداعية الأخيرة التي كتبها فيما يبدو لدى استشعاره بقرب غرق المركب الذي كان يحمله، فإنهم أرفقوا مع النص الذي نشروه على صفحاتهم الشخصية عبارات مؤثرة من قبيل "هدية إلى العالم المتحضر.. هرب من الموت فاحتضنه البحر.. أنصحكم بالقراءة لكن لا تبكوا لأن الدموع جفت على أبناء سوريا".
وهذا نص الرسالة الذي تنشره وكالة "الأناضول" بحسب ما تداوله الناشطون:
"أنا آسف يا أمي لأن السفينة غرقت بنا ولم أستطع الوصول إلى هناك (يقصد أوروبا)، كما لن أتمكن من إرسال المبالغ التي استدنتها لكي أدفع أجر الرحلة (يتراوح أجر الرحلة البحرية للوصول إلى أوروبا بطريقة غير شرعية ما بين ألف إلى 5 آلاف يورو بحسب دولة الانطلاق وعوامل أخرى مثل صلاحية المركب وعدد الوسطاء وغيرها).
لاتحزني يا أمي إن لم يجدوا جثتي، فماذا ستفيدك الآن إلا تكاليف نقل وشحن ودفن وعزاء.
أنا آسف يا أمي لأن الحرب حلّت، وكان لا بد لي أن أسافر كغيري من البشر، مع العلم أن أحلامي لم تكن كبيرة كالآخرين، كما تعلمين كل أحلامي كانت بحجم علبة دواء للكولون لك، وثمن تصليح أسنانك.
بالمناسبة لون أسناني الآن أخضر بسبب الطحالب العالقة فيه، ومع ذلك هي أجمل من أسنان الديكتاتور (في إشارة إلى بشار الأسد).
أنا آسف يا حبيبتي لأنني بنيت لك بيتاً من الوهم، كوخاً خشبياً جميلاً كما كنا نشاهده في الأفلام، كوخاً فقيراً بعيداً عن البراميل المتفجرة وبعيداً عن الطائفية والانتماءات العرقية وشائعات الجيران عنا.
أنا آسف يا أخي لأنني لن أستطيع إرسال الخمسين يورو التي وعدتك بإرسالها لك شهرياً لترفه عن نفسك قبل التخرج.
أنا آسف يا أختي لأنني لن أرسل لك الهاتف الحديث الذي يحوي "الواي فاي"(خدمة الانترنت اللاسلكي) أسوة بصديقتك ميسورة الحال.
أنا آسف يا منزلي الجميل لأنني لن أعلق معطفي خلف الباب.
أنا آسف أيها الغواصون والباحثون عن المفقودين، فأنا لا أعرف اسم البحر الذي غرقت فيه..
اطمئني يا دائرة اللجوء فأنا لن أكون حملاً ثقيلاً عليك.
شكراً لك أيها البحر الذي استقبلتنا بدون فيزا ولا جواز سفر، شكراً للأسماك التي ستتقاسم لحمي ولن تسألني عن ديني ولا انتمائي السياسي.
شكراً لقنوات الأخبار التي ستتناقل خبر موتنا لمدة خمس دقائق كل ساعة لمدة يومين..
شكراً لكم لأنكم ستحزنون علينا عندما ستسمعون الخبر.
أنا آسف لأني غرقت..".

Thursday, August 20, 2015

أحوال

فيه مواقف بتمر بينا بتسبب لنا صدمة، كرب، أذى نفسي أو مادي.. أو كلهم!

المواقف دي بعد فترة، للي بيحاول يستخدمها سلمة للنضج الحياتي والتحول لشخص أفضل، بيتصور انه تجاوزها وتخطى المتسببين فيها.. وان أذاهم ما بقاش له سلطة عليه من غضب أو حزن، لأنه اتعلم منها ومنهم درس خلاه بقى شخص أفضل/أذكى/أرقى.. 

وفعلا، يبتدي الشخص لما يفتكر الموقف يلاقي نفسه أكثر هدوءًا، ولما يفتكر الشخص المتسبب فيه يلاقي نفسه بيقول الله يسمحه/ا بدل حسبي الله ونعم الوكيل فيه/ا.. 

الغريب بقى لما ييجي الواحد يقابل الشخص ده، واقعيا او افتراضيا، صدفة، ويتفاجيء انه لسه غضبان! وان احساس الكرب اللي سببهوله تصرف الشخص بيصحى من جديد.. وترجع تاني تصعب عليه نفسه.. 

طيب ليه؟ مش الموقف/الشخص ده علموك حاجة، حتى لو كانت انك تتجنب انك تبقى/تعمل زيهم؟
مش بعد كده حصلت حاجات أحسن من اللي خسرتها بسببهم، وبقيت تقول الحمدلله انهم عملوا كده والا ماكنتش هاتعلم واتقدم؟ 

ليه فجأة لما تشوف صورة الشخص ده او موقف يتضمن سيرته، تلاقي كل كربك ده بيصحى من تاني؟ 

هو الأذى كان كبير للدرجة دي؟! 

ولا ده حب رثاء الذات وعيش دور الضحية؟! 

مش متأكدة.. 

Monday, August 17, 2015

لأن بعض الأحلام تستعصي على الموت

اليوم كنت أمر بالمتجر متعدد الأقسام.. تفقدت الملابس والأحذية.. 
وتفقدت قطع الأثاث القليلة المعروضة.. رديئة الجودة فعلا! 
أما السلع الاسهلاكية المدعوة "معمرة" فهي بلا شك قادرة على ان "تخرب" العامر.. الأسعار مرعبة.. وأحجام الثلاجات أشعرتني بالضآلة.. والتلفزيونات كادت تصيبني بالجنون من كثرة الكماليات واتساع حجم البوصات.. يبدو أنهم في القريب العاجل سيقدموا التلفزيونات بوحدة الفرسخ!! وأجهزة أخرى عجيبة لم ادر لها وظيفة ولم أكن على استعداد لتفقد ماهيتها.. 

سرت في المتجر كقروي هبط للمدينة لأول مرة.. مع انها بالتأكيد ليست مرت الأولى في هذا المتجر او أشباهه.. ولكني كنت أسير بلا هدف أتفقد الأسعار والأشكال والأحجام المختلفة لكافة المعروضات.. والنتيجة اني رحت اتضائل حتى كدت أخرج من المتجر قزمة بعد أن دخلته متوسطة الطول..

استكملت مسيري في المتجر بلا هدف وانا أفكر.. هل هذا هو الغرض من هذه المتاجر؟ ان تشعرك بضآلتك؟ أو على أحسن تقدير، تشعرك بضآلة دخلك! 

هل فكرت في الاستقلال عن عائلتك؟ جميل.. 
اشتريت شقة صغيرة؟؟ فعلا؟!! مبروك..
هل بدأت في "تشطيبها"؟ ليس بعد؟... ممم
وماذا عن الأجهزة؟ الأرضيات؟ طقم الحمام؟ السجاد؟ الستائر؟ المطبخ؟ 
لا؟ ولا أي منها؟! لماذا؟ آه.. مازلت تسدد ثمن الشقة.. طيب.. بالتوفيق!

هكذا يدور الحوار بيني وبين المعروضات.. أو هكذا اسمعها بعين خيالي، وأحاول ألا تقع عين واقعي على رقعة السعر على كل سلعة.. ولا أستطيع أن أمنع نفسي لأني، وان كان مسيري في المتجر بلا هدف، إلا أني أود أن اضع تصورا لميزانية ما.. تصور قيمة دخلي الشرائية، والتي أعلم تمام العلم أنها ضعيفة جدا.. ولكن ما بيد "مدمن التفكير" حيلة.. 

أدور وتدور برأسي فكرة الشقة الصغيرة.. وميزانيتها.. ودخلي.. وحلمي بذلك البيت الصغير الذي صار لي أكثر من 10 سنوات أحلم به.. وأكثر من ثلاثة سنوات وانا أحاول تدبير ميزانية ما له.. 

حلمي هو وكابدت كثير من الحرمان والاستدانة لتحقيقه.. حلمي هو ولا أرى ان من الطبيعي ان يحلم الانسان "ببيت" ثم يجد مثل هذا الحلم يستعصي على التحقيق لهذه الدرجة.. قد تطول المدة او يواجه المرء بصعوبات.. لكنه ليس حلما غير مشروع! وقد تجاوزت خطوة أو اثنتين في سبيل تحقيقه.. هل أتراجع الآن؟

هل أتنازل الآن؟ هل أترك حلمي للموت؟

في أثناء مسيري قررت المرور من الممر الخاص بلعب الأطفال، لعلي أجد ما يناسب بنات صديقتي لأهاديهن به.. ثم وجدتني أتوقف مطولا - بلا وعي - أمام أرفف العروسة باربي.. تلك التي عملت طوال عام دراسي كامل بكل جد وكد، لأفوز بها هدية نجاح في آخر العام.. كان عمري سبع او ثمان سنوات.. 

لم اتوقف أمام العروسة ذاتها.. ولكن، تلك السيارة زهرية اللون التي حلمت باقتنائها مع سائر مكملات المعيشة الخاصة بالعروسة من بيت وملابس وزوج وابنة واصدقاء.. 

في تلك الأعوام كان ذلك حلم بعيد المنال، بنجاح أو بدونه، لأن حتى عقلي الطفل، غير القادر على استيعاب حساب العملة والقدرة الشرائية، ولا فهم معنى مفاهيم كـ"دخل، فلوس، مرتب، سعر"، لم يستسغ شراء "لعبة" بهذا المبلغ الفادح.. لم أستطع استيعاب الرقم في ذلك الوقت، لابد إذا ان يكون فادحا مادام عصيا على الاستيعاب! وظلت لسنوات أمر بالمتجر المتخصص في بيع باربي ومستلزماتها، وأتوقف لمتابعة الأسعار والموديلات الجديدة من ملابسها والتطورات التي طرأت عليها من أذرع أو أرجل قابلة للثني وخلافه.. ولكن تلك السيارة تحديدا بدت بعيدة بعيدة.. 

واليوم.. توقفت تلك الفتاة ذات السبع، ثمان، تسع، سنوات.. في جسد تلك ذات الخمس وثلاثين، تتأمل تلك السيارة - دون سعرها - لأني الآن قادرة على شرائها ببساطة.. بجرة بطاقة... ولكني لا أريد.. هكذا، ببساطة!

ولكن لم استطع منع تلك الابتسامة التي ملأت وجهي، مع تذكري لذلك الحلم البعيد.. والذي صار الآن على بعد "جرة بطاقة" لو - فقط - أردت.

ابتسمت لأني فكرت أن بعض الأحلام - حقا - يستعصي على الموت.. نصر عليه فنحققه، طال الوقت أم قصر، أو يبقى هناك ليذكرنا بمرحلة ما... بطفولة ما.. وأن ما كان عسيرا حد الاستحالة يوماً، قد يصير على بُعد بضعة أيام، أو حتى جرة بطاقة.

  

Tuesday, August 11, 2015

على حافة الانتظار

أظل دوما قيد الانتظار.. طال أم قصر.. 

أنتظر اجازة نهاية الأسبوع لألتقي بالاصدقاء أو أرتاح..
انتظر موعد حفلة/لقاء يحدث في منتصف الاسبوع، ليخفف من وطأة الأيام.. 
انتظر موعد حفلة، ندوة.. حدث ما، وأتشبث بالتاريخ لكي يبدو لي أن هناك ما أتطلع إليه.. 

انتظر انقضاء موجة الحر..
أنتظر حلول المساء.. 
انتظر انتهاء الفقرة الاعلانية لأعاود متابعة الفيلم/المسلسل

انتظر انتهاء جلسات التقييم نصف السنوي للموظفين.. وحل شكاواهم
انتظر نهاية الشهر لأتسلم راتبي.. وبدايته لأسدد ديوني.. فنهايته مرة أخرى، حتى قبل انتصافه..
انتظر اصدقائي في تأخرهم على موعدنا..

انتظر ردا على هذه الرسالة الهامة.. او تلك الغاضبة..  
انتظر ردا من شركة أجرت لي مقابلة توظيف.. حتى لو بالرفض..

انتظر نهاية العام.. أو بدايته، كلاهما سيان.. 
لأقرر ان كان في المستطاع تحقيق جزء من حلم ما، أو تأجيله للعام القادم
أو نسيانه كلية..

تنقضي الساعات في انتظار توافه الأشياء وأجلّها.. وينفرط العمر انتظارا لشيء ما.. حدث ما.. شخص ما..

و من مكاني هذا، على حافة الانتظار، أنتظر ان أكف عن الطموح والتمني والأحلام.. 
لأكف عن الانتظار.. 




Friday, August 7, 2015

حلم

أشوفك ناجح.. متألق.. 
أفرح..
نتلاقي.. ماحدش يقاطعنا.. حاسة بتعبك.. أحط إيدي على كتفك.. أطبطب عليك.. نفسي أشيل التعب عنك.. تضمني.. 
يختفي العالم.. 
نتمشى.. نتكلم.. نضحك.. 
"- جعان؟ 
* آه جدا! يلا نشوف مكان ناكل فيه.. 
- يلا.."
وكل اللي على بالي فرحتي ان لقانا هايطول.. وانك معايا وقت أكتر من دقايق كل مرة.. 

"* هنا ولا هنا؟
- زي ما تحب.. 
* هنا بيعملوا أكل هايل"
أمشي معاك.. عايزة أبقى معاك وخلاص.. عايزة أشوفك.. بس.. 
أسمعك.. بس..
مش مهم فين.. مش مهم هانعمل ايه.. المهم انك تبقى قصاد عيني.. 
ما بنلاقيش مكان.. الدنيا زحمة.. وانت حرّان..
وباين عليك تعبان بس كأنك مش عاز تمشي.. عشاني.. 
بتطلع نمشي لمكان تاني.. وإيدي في إيدك.. 
مكملين كلام.. لأ.. انت بتتكلم وانا باسمع بس.. 
بيوحشني صوتك حتى وانت بتتكلم.. بتوحشني ملامحك حتى وانا شايفاك.. 
مش عايزة اليوم يخلص من فرحتي.. بس عارفة ان الوقت اتأخر.. 

أتقلب عشان - كالعادة - اتأكد ان كان ده حلم ولا حقيقة.. 
أصحى

ورغم اني صحيت.. وانه كان حلم.. لكن رفرفة قلبي من فرحتي بيك وانت قدامي.. فرحتي بنجاحك.. فرحتي بضمتك ليا.. دفا ايدك في ايديا.. 
كل ده لسه موجود.. بعد ما اليوم خلص.. 

يا حلم موجود في الحقيقة.. وحقيقة بتزورني في الحلم.. 

امتى هاقدر أحققك حقيقة زي الحلم؟ 



   

Monday, July 27, 2015

إخوة يوسف

أوقات -زي النهاردة كده- بتلح عليا الفكرة دي:

هو انا ما بقاش ليا اخوات عشان انا كده؟ ولا انا كده عشان ماليش اخوات؟

ايه الحكاية؟!

الحكاية اني اتولدت وحيدة.. سبقني اختين وتوفاهم الله، حتى ماشوفتهمش.. ربنا يجعلهم في ميزان حسنات والديّ.. 

موقف وسؤال اتكرروا كتير وما زالوا بيتكرروا:

 "- هو انت مالكيش اخوات بنات؟!
 - آه.. ولا ولاد!
- إيه ده!!!! انتِ وحيدة؟!!!! (بتعبيرات دهشة وتعجب واحتمال فزع)
- باين كده!
- ممم (مع تعبيرات أسى بيتحول تدريجيا لشفقة وبعدين لخفة ظل) تبقي أكيد متدلعة!"

مع ان أي حد يعرفني او شافني بس حتى هايحلف على البحر يجمد اني لا دلوعة ولا باطيق الدلع.. بس هي متلازمة "وحيدة/متدلعة" بيتجي مع بعضها زي شوكولاتة وفانيليا كده.. مع انه طلع فيه كوكتيلات تانية، بس هو كده!  

وكنت زمان اتعصب جدا لما حد يقولي "متدلعة" دي!! يعني إديني أمارة واحدة على الدلع ده؟!! 

لكن لما كبرت شوية وبصيت ورايا على السنين لقيت اني اتدلعت اه!

لو كان ليا اخوات ماكانش هيجيلي تلات فساتين في العيد الصغير واربعة في العيد الكبير، فستان لكل يوم.. 
لو كان ليا اخوات ماكنتش هادخل مدرسة محترمة اتعلم فيها تعليم محترم.. 
لو كان ليا اخوات ماكانش بقى كل دخل الأسرة مخصص ليا عشان تعليمي ولبسي وعلاجي وشرا الكتب..

ولحد دلوقتي.. وبعد وفاة ابويا بتمنتاشر سنة.. وشوية الحاجات المادية اللي سابهالنا،

لو كان ليا اخوات ماكناش خدنا قرار العزال بسهولة كده
لو كان ليا اخوات ماكنتش اخدت فلوس دراسات عليا من أمي بسهولة كده
لو كان ليا اخوات ماكنتش اخدت فلوس مقدم العربية من أمي أصلا

لو كان ليا اخوات حاجات كتيرة جدا ماكانتش هاتحصل واتضح بعد فترة انها في مصلحتي.. 

رغم اني كنت - واحيانا دلوقتي كمان-  بافكر ان؛

لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا في فلوس هدية عيد الأم/عيد ميلاد ماما.. وعيد ميلاد بابا
لو كان ليا اخوات كنا لبسنا من هدوم بعض.. بنات ولا ولاد.. 
لو كان ليا اخوات -بنات- كنا هانتخانق ع السيشوار والجزم والشنط والطرح.. بس احتمال برضه كنا نقعد نسرح شعر بعض تسريحات حلوة.. أو نجرب ألوان الماكياج على بعض..  
لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا في العقاب وساعات المذاكرة وساعات المراقبة جوة البيت وبراه بدل ما كله كان على نافوخي لوحدي!
لو كان ليا اخوات كنا اتقاسمنا الحزن والمسئولية والشيلة والغضب لما ابويا مات

لو كان ليا اخوات حاجات كتيرة كانت ممكن تحصل وتطلع برضه في مصلحتي.. 

لكن.. الدنيا قاعدة بتتفرج عليا طبعا انا مش قاعدة لوحدي! 

تبعت لي مواقف أشوف فيها اخوات.. أبكي على حالي ووحدتي وأقول يا ريتني كان ليا اخوات.. وانا هاعمل ايه لما بعد عمر طال او قصر أبقى فعلا لوحدي؟ مش كانوا يبقوا لي سند ووَنس برضه؟!

ايه؟ صعبت عليا نفسي؟ صعبت عليا وحدتي؟!

تروح بعدها باعتة لي مواقف اشوف فيها اخوات... أبكي على حالهم.. ووحدتهم والاسم ليهم اخوات.. ناسيين بعض، واكلين حقوق بعض، قاطعين الرحم، متآمرين على بعض كأنهم أعداء.. أقول الحمدلله اني ماليش اخوات
  
فييجي المشهد اللي بعدها على طول.. أصحاب أقرب من الاخوات.. الاصحاب دول اللي بيحسوا بيك من غير ما تتكلم.. اللي فجأة يهلوا يسألوا عليك كده ولا يقولوا لك تعالى نخرج وفي قعدتنا سوا ننسى الدنيا وما فيها.. اللي من غير مناسبة يجيبوا لك حاجة كان نفسك فيها او بتدور عليها.. وفي المناسبة يجيبوا لك حاجة أهم/أصعب/ أغلى من اللي قبلها.. وَنس ما بعده ولا قبله.. صحبة تطيب الخاطر وتشفي الروح وتجبر القلب.. 

أقول الحمدلله على نعمة وجودهم في حياتي.. ونس وصحبة.. رزق من ربنا.. 

فارجع أفكر.. طيب هو انا ما بقاش ليا اخوات عشان انا كده؟ ولا انا كده عشان ماليش اخوات؟

"كل ميسر لما خلق له" ده الأكيد.. الأكيد ان ربنا اللي خلقني وصورني أدرى بيا مني.. رزقني على قد امكانياتي.. 

ماهو انا ما باستحملش حد يبقى في وشي طول الوقت برضه، مش هانكر! ولو استحملت بابقى خلقي ضيق!
ولا باستحمل حد يعمل حاجة يبقى ماليش مزاج ليها دلوقتي، ولا تتعارض مع اللي انا عايزاه، مش هانكر! ولو استحملت، هاتقوم تلاتين خناقة!

باحتاج مساحتي اللي لا يتعارض معاها وجود/حاجات الآخرين.. وطبعا ده كان هاينتفى لو كان بقى ليا اخوات (ولا هي مساحتي دي طلعت عشان انا اصلا ماليش اخوات؟!)

مش عارفة.. بس الأكيد اني؛

ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات ناسيين وجودي وانا حية.. والأفظع، وانا ميتة.. 
ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات واكلين حقي.. جبروت منهم أو ضعف مني..
ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات ينسوا حق الدم اللي بيننا.. 

ماكنتش هاستحمل يبقى لي اخوات زي إخوة يوسف.. لأني ماعنديش تسامح يوسف ولا محبته.. في حين ان اخواته ماليين الدنيا حواليا..  

ساعتها وحدتي كانت هاتبقى أكبر.. 

وعليه، فسواء كنت طلعت كده عشان ماليش اخوات او ماليش اخوات عشان كنت هاطلع كده، أحب اقول:

اللهم ارزقني بعِلم يوسف، وعزيمته، واخلاصه، واعتصامه وعصمته، وارزقني صبره الجميل، وجمّلني بجمال أخلاقه وحلاوة روحه.. واصرف عني اخوته ومن على شاكلتهم ومن اتبع خطاهم ومن اتخذ فتنة الدنيا قرينا.. واكفني شر أن يلقى بي في جُب من نسيان بلا قرار حية أرزق أو وحيدة في لحد.. ارزقني من يذكرني ويؤنس وحشتي ولو ببعض كلمة


Sunday, May 10, 2015

الكتاب وانا

أمي هي صاحبة الفضل اني اتعلم القراية.. بصبر ودأب، علمتني الحروف وتركيبها لما يكون كلمات، وتميت اربع سنين كنت باعرف أقرا.. ولو ماعملتليش اي حاجة تانية في حياتي فكفى به فضل! 


وكطفلة وحيدة، عاشت أول 4-5 سنين في حياتها في حياة اجتماعية محدودة جدا، لظروف سفر الوالد.. ماكنتش باشوف أطفال تقريبا خالص وأغلب اللي باتعامل معاهم كُبار.. زمايل والدي وزوجاتهم وقلة منهم كانوا معاهم أولاد.. وأقرب شيء للأطفال اتعاملت معاه في المرحلة دي كانوا أطفال أكبر مني سناً بشوية.. فعشت فترة مش قليلة قدرتي على التعامل مع الكائن المسمى "أطفال" تكاد تكون معدومة، بالرغم من ان قدرتي على التعامل مع الكبار ماكانش فيها مشكلة، احترام فرق السن موجود لكن بدون تهيب مبالغ فيه.. وفي نفس الوقت كنت باخاف جدا من الأطفال اللي ممكن أقابلهم في طريقي وكنت بالتزم صمت الحجارة لو اتجمعت مع أطفال في مكان واحد.

مع الظروف دي، وتكوين الشخصية ده، كانت القراءة هي الملاذ الأوحد. وكنت كمان معتبراه الملاذ الأكثر هدوءا ومنطقية! 

ماكنتش بافهم ايه الممتع في الجري ولا الصريخ ولا الدوشة اللي بيمارسوها الأطفال دي! والحاجة الوحيدة اللي كنت أصبو إليها كطفلة، كان "عجلة".. كان نفسي يبقى عندي عجلة اركبها وألف بيها.. وماكانتش مجرد أمنية، كان حلم.. طموح.. هدف منتظرة اليوم اللي هايتحقق فيه.. وماتحققش لحد النهاردة.. 

غير العجلة، ماكانش فيه أي حاجة تلفت نظري في ممارسات الأطفال في اللعب خالص.. ولا حبيت أنزل العب في الشارع مثلا.. بطبيعة الحال ده كان هيعرضني للتعاطي مع أطفال آخرين، وده كان كافي تماما لانتفاء الفكرة من راسي. 

فيتبقى لي القراية.. أي حاجة وكل حاجة تقع تحت ايدي اقراها.. بس كنت جبانة برضه.. يعني كنت أخاف اقرا حاجة ماتعجبنيش او أحسها هاتبقى معقدة بالنسبة لي.. ماعرفش ليه! كنت مركزة على الحاجات اللي "عارفاها".. والجرايد والمجلات دي كانت بتتذاكر، مش بس تتقري.

وابتديت أطور اهتمامات، مجالات بعينها أحب اقرا فيها يعني.. السينما.. صفحة السينما يوم الاتنين (أيوة زمان كانت بتبقى يوم الاتنين) اللي كانت من اعداد يوسف فرنسيس دي كانت سحر بالنسبة لي.. 

العربيات.. ملحق السيارات وتفاصيل العربيات الجديدة والعربيات "الكونسبت" وايه بكام وضرايب العربيات والكلام ده كله، لو كان ليا أصحاب ولاد في السن ده، كان هيكون ده محور حديثنا بالتأكيد! 

الأدب.. لما عملوا ملحق الأدب في الأهرام يوم الجمعة، كنت بافصصه.. وبريد الأهرام ياما سحيت عليه.. وكانت بتبقى فرحة العمر لما يكون ليوسف فرنسيس قصة في الملحق، أو يكون مقدم لوحة من رسمه لقصة منشورة في الملحق.. او يكون له قصة ولوحة مع بعض! كنت بانهبل رسمي، وكنت باقصقص القصص اللي تعجبني والزقها في كشكول.. لسه عندي.

وطبعا أي حاجة مناسبة لفئة سني العمرية كنت باقراها.. او مش شرط مناسبة أوي، بس تكون مسموحة من الرقابة.. بمعنى انها منشورة تبع حاجة معروفة، وموجودة عند عم محسن بتاع الجرايد اللي كان على ناصية شارعنا.. ده كان بيخليها واخدة ختم الموافقة، فمن حقي أمد إيدي عليها اشوفها بتتكلم عن ايه، ولو لفتت انتباهي، ماما هاتجيبها لي واقراها ، ولو عجبتني هاتجيبلي ما يشبهها تاني.. وعموما زيارة فرشة عم محسن دي كانت متكررة، فماكانش بيغيب عن عيني أي مستجدات.

طبعا مش محتاجة أقول ان معرض الكتاب زيارة مقدسة من وانا عندي 8 سنين ولحد دلوقتي.. باكتئب لو حسيت، مجرد احساس، اني احتمال ماقدرش أروح.. بس كل سنة لازم ازوغ م الشغل او حتى آخد اجازة واروح!

يمكن كنت الطفلة الوحيدة اللي قرت "كتاب اليوم" و "كتاب اليوم الطبي" قبل روايات مصرية للجيب.. وكتب د. عادل صادق الله يرحمه، هي اللي خلتني حددت اتجاهي في الحياة، من سن 10 سنين، اني "هادرس" علم نفس.. مش "عاوزة ادرس" أو "بافكر أدرس".. لأ.. انا بكل حسم هادرس علم نفس.. بس ماكنتش محددة وقتها هايبقى عن طريق طب ولا آداب.. بس بمنتهى الأمانة الاتنين كانوا متساويين قدام عيني تماما.

ما بانساش نظرة الهلع في عين عم محسن وماما لما طلبت منه كتاب "نساء عاريات".. الراجل كانت هاتجيله سكتة قلبية! وماما لولا الملامة كانت لطشتني كف في الشارع، بس مسكت نفسها وسألتني "نعم؟!" قلت لها ده كتاب د. عادل صادق، تبع كتاب اليوم.. ويمكن كانت اول مرة اشوف حد بيتنفس الصعداء ساعتها.. طبعا الكتاب ده اتفصص قبل ما امسكه حتى، عشان يتأكدوا في البيت انه مش كلام "ابيح" ولا حاجة.. كان كتاب عن حالات لنساء في العيادة النفسية.. بس العنوان كان لازم يبقى لوذعي طبعا.

فاكرة في يوم شوفت د. محمد شعلان، أستاذ الطب النفسي، الله يرحمه، في السوبر ماركت.. وكنت هايغمي عليا من الفرحة كأني شوفت سوبر ستار! وماما اخدتني له وقالت له بنتي متابعاك في البرامج عشان نفسها تدرس علم نفس.. الراجل انتظر يشوف بنتها دي شابة راشدة مثلا، فوجيء ببطة صغيرة كده عندها 11 سنة فاندهش جدا بس كان في منتهى اللطف.. مش فاكرة قالي ايه من كتر ماكنت فرحانة ومبهورة.. بس فاكرة فرحتي كانت عاملة ازاي.

"القصة" اللي كانت بتدرس لنا في المدرسة كانت بتخلص في خلال يومين من استلام الكتب! كنت باحب اقراهم بعيدا عن الدراسة والامتحان والغلب ده.. ما عدا قصة الصقر الجريء -للي يفتكرها يعني - اللي كانت شنيعة، ما طيقتش اقرا فيها صفحتين وعشت انا والناس نتعذب بيها عذاب السعير طول سنة تالتة اعدادي.. يجحمه ده صقر مطرح ما راح!

في يوم ماما جابت لي عدد من أعداد رجل المستحيل.. لو كنت باملك من مفردات هذا الزمان حاجة كنت قلت لها: "ايه الهرت ده؟!" مين ده اللي قد الكف وبيقتل مية وألف وبيتشقلب في الهوا ويتفادى شحروميت رصاصة وهو بيركل حوالي اتناشر ألف واحد بيهاجموه في نفس اللحظة!! ماحبيتهاش لحظة! ولا زهور ولا عبير وما شابههم! كان "هرت" غير منطقي ولا مبرر خالص بالنسبة لي وأظن اني حتى ماكملتش العدد اليتيم اللي ماما جابته وقلت لها ماتجيبيليش العبط ده تاني! 

لكن في واحدة من زياراتي لفرشة عم محسن، لقيت عدد معنون "اين الشيطان".. من سلسلة ملف المستقبل.. يمكن كنت 12 سنة وقتها.. وكانت بداية قصة غرام بيني وبين المقدم نور الدين محمود وفريقه... وكانت صورة "نور" اللي كانت بتبقى في اول صفحة في الكتيبات، تاني صورة أرسمها في حياتي.. وكان الاستاذ اسماعيل دياب الله يرحمه هو من رسم صورة خيال فتى أحلامي... وبكيته بكاء حقيقي لما توفاه الله.

وإذ صدفة، وانا في رحلة البحث عن أعداد الصيف من ملف المستقبل، ولأن على ايامي ماكنش فيه مكتبات ناحيتنا خالص.. المكتبة هي المحل اللي بيبيع أدوات مدرسية وكتب خارجية فقط. أما كتب التسالي والقراية، دي ممكن تتوجد عند بائعي الجرائد فقط وبالصدفة، او بالكتير يعني، وعلى حسب المنطقة، في أكشاك توزيع الأهرام.. وفي هذا الصدفة المجيدة.. في صيف 93، صادفت أول كتيب من سلسلة ما وراء الطبيعة.. اللي لسه أصحاب لحد دلوقتي، وبقية كتابات د. احمد خالد توفيق.

مكتبة الأسرة هي الفضيلة الوحيدة اللي عملها النظام السابق على مدار 30 سنة! برغم انها كانت سبوبة للسرقة والمجاملات والتحيزات والحاجات المعتادة، المدموغة بالختم المصري في أي مشروع، لكنها برضه كانت نافذة على كتابات متعددة، منها الكلاسيكي اللي كنت بدأت أكتشفه وقتها، ومنها الحديث نسبيا.. وكانت فاتحة خير عليا.

أول كتاب أثر فيا وفتح عينيا على عالم الأدب، برة ملحق الجمعة وأعداد المؤسسة، كان من مكتبة الأسرة.. وللغرابة كان معنون "بنت الشيطان" برضه! مجموعة قصصية لمحمود تيمور، اللي وقعت في هوى أسلوبه من ساعتها.. 

ولأني باحب الشعر.. مكتبة الأسرة عرفتني على صلاح عبد الصبور وأمل دنقل قبل اللي كانوا بيدرسوا لنا عربي.. ده غير شعراء تانيين كتير، بس دول كان لهم أكبر الأثر على نفسي. 

مازلت لحد دلوقتي قارئة مخلصة للأدب.. رواية وقصة وشعر ونثر.. مازلت ماطورتش اي اهتمام بقراءة كتب عن السياسة أو التاريخ بصفتهما.. يعني اقرا رواية تاريخية أهلا وسهلا.. رواية ليها اسقاطات سياسية، ما يضرش.. وده نقص كبير طبعا، لكني ماكنتش مهتمة أعوضه زمان، ودلوقتي بقيت مش عاوزة أعوضه بعد اللي احنا عايشينه بنفسنا ده بقالنا كام سنة.

لما بدأت أشتغل، ميزانيتي اتسعت لشرا الكتب.. مابقيتش محتاجة اشتري كتاب مايزيدش تمنه عن 5-10 جنيه! وفاكرة ان اول كتاب غالي اشتريته كان بـ 80 جنيه.. كان كتاب the Zahir والكلام ده كان سنة 2005 او 2006.. والناس اتفزعت - فزع حقيقي - ازاي ادفع المبلغ ده في كتاب! 

حقاً وصدقاً، ده كان أول سبب يخليني احس بالامتنان لفكرة اني "باشتغل".. وقعدت اقول لنفسي، اللي كانت كارهة الشغل وكارهة المواصلات وبهدلتها بسبب الشغل: ما هو لولا الشغل ماكنتيش قدرتي تشتري كتاب بالسعر ده وانت راضية! كنت هاتقدري تروحي تطلبي مبلغ زي ده من ماما؟! لأ طبعا! يبقى تحمدي ربنا ع الشغل.. هو ده اللي هيخليكي تعملي اللي نفسك فيه.. اسكتي بقى وبطلي نواح! 

توالت الكتب بعدها بقى، بدون التفات لأسعار.. ولما كنت باركب مواصلات، كان الكتاب صديقي في الرحلة.. 

اللي خلاني افتكر الرحلة الطويلة دي، 31 سنة تقريباً، اني رجعت لصديقي الأول مرة تانية.. 

كنت كل ما اشوف عندي كتب قد ايه لسه ما قريتهاش، أتحسر، واحس بالذنب.. كأنهم اصدقاء ما بسألش عليهم.. وكنت فعليا أكلم الكتب واقولهم، حقكم عليا، مصيرنا نتجمع.. وافكر، هو انا هاجيب وقت منين لده كله؟ فكنت أحس بالغيظ من الوقت اللي بيضيع في الشغل.. كنت باحس، ومازلت، شايفة ان الوقت ده أولى بيه القراءة والسينما بشدة.. واني لو ألاقي ما يقيم أودي، لتركت العمل بلا لحظة تردد ولا تفكير وتفرغت لما أحب.

رجعت لصديقي الأول عشان بطلت أسوق، ورجعت أركب مواصلات من تاني.. وهي دي ميزة المواصلات الوحيدة على الاطلاق! 

لا أبالي اطلاقا بمن حولي، فأبكي او اضحك بحسب ما يمليه علي صديقي في المواصلات دون تفكير كثير او قليل في فضول الناس وما يفعله بالناس..  

اللي شاغلني بقى من فترة، ان ازاي الواحد بيحن للأصحاب القدامي.. ده طبيعي وبيحصل.. بس كام صاحب قديم لك عنده استعداد يقبلك ويستقبلك بعد غيبة، وبنفس الحب والاخلاص؟ من غير ما يعاتبك ولا يأنبك؟ مافيش! انا نفسي باهري اللي يغيب واللي يتأخر عتاب وتأنيب.. أو كنت.. دلوقتي بطلت.

هل فيه روابط بتتخلق بيننا وبين "الحاجات" اللي بنحبها فعلا، أقوى من الروابط اللي بتتخلق بيننا وبين "الناس" اللي بنحبهم؟ 

هل للأشياء ذاكرة قادرة على الغفران والتجاوز، لا يمتلكها الناس؟ 

لأسابيع، كنت -ومازلت- مشدودة جدا، وباقاوم انفجار الغضب جوايا، لأني مش عايزة أرجع أبقى شخص غاضب تاني.. أيا كانت سخافات الدنيا والناس ما تستاهلش.. هكذا أُذكر نفسي.. لكن الصراع ده مخليني صبري قليل، جدا، اكثر من المعتاد.. وقدرتي على تحمل البشر وسخافاتهم واستخفافاتهم ضئيلة جدا.. صراع مستمر بين الغضب والسيطرة عليه.. عشان نفسي قبل ما يكون عشان "ماحدش يزعل مني".. صراع مستمر بين رفض "رثاء الذات" والعودة للشكوى والبكاء وبين تذكير النفس بإن "هذا، أيضا، سيمُر" وعليه، لا داعي للغضب او الانفجار اللي مش هايضر حد إلا انا..

الصراع ده ما بيسكتش غير لما أمسك كتاب واقرا.. كأنه شخص فضولي راكب جنبي في المواصلات، أول ما افتح كتاب ينهمك في اللي باقراه معايا، وينسى انه كان لسه بيتخانق.. ينتبه انه كان بيتخانق لو بصيت من الشباك مثلا، أو لفت نظري حد بيقول او بيعمل حاجة.. فارجع بسرعة أحاول اسيطر عليه تاني واقوله: "بص، كتاب اهو" فيسكت..

يتقد ويفنجل ويبقى على أهبة الاستعداد للانفجار وانا باتعامل مع الناس.. ومحاولاتي المرهقة للسيطرة عليه بتبقى في ذروتها.. ثم يخمد بمجرد ما اطلع الكتاب من شنطتي..

امبارح، لأول مرة من أسابيع، أحس بهدوء واستعيد سلامي النفسي المفقود، واللي كنت وصلت له بشق الأنفس، لما اشتريت كتب كتيرة ومشيت دراعاتي هاتقع من تقل الشنط اللي فيها الكتب.. حسيت اني خفيفة برغم تقلهم.. حسيت اني راضية عن العالم، برغم الزحمة والحر والمشوار وما زادني رهقاً من سخافات الناس..

تلقاني الصديق القديم بنفس راضية مرة أخرى.. لا لوم ولا عتاب ولا تأنيب.. طبطب عليا.. خدني في حضنه ورجعني العيلة الصغيرة اللي كان لها الورق صاحب.. أثبت لي انه هو الأوفى.. مش عشان الناس وحشة، لكن عشان هو الأحلى..  

شكرا يا صديقي على وجودك في حياتي.. 

شكرا لكل صديق لقيته جنبي وقت ما كنت بابقى كارهة الحياة، وحاول يرجع لي احساس بالامان والهدوء.. سواء كان من ورق او من لحم ودم.. وأوعدكم، اني هاحاول اصفي حياتي من أي ناس/حاجات بتاخد مني وقت انتوا أولى بيه.. 

Thursday, April 23, 2015

لا شكر على...

ماذا يعني أن يشكرك أحدهم على مشاعرك نحوه؟

أيا كان كنه هذا المشاعر، سواء أكانت تقدير او حب او صداقة او أمومة؟

ولا أقصد ان يعبر عن امتنانه لمشاعرك او يبادلك اياها.. ولكن أن "يقول" لك "شكرا"... 

ماذا يعنيه ذلك؟ 

أتفهم ان أتقدم بالشكر لمن يقدم لي "خدمة" ما أو يوفر لي شيء ما.. ولكن كيف أشكر أحدهم على "مشاعره" والتي قد تترجم أفعالاً أو تبقى قيد التعبير بالكلام.. 

تخيل الأمر انك تقول لأحدهم "أنا أكرهك" وكان رده عليك بـ "شكراً"... ماذا يعني هذا؟ هو يسخر منك بالتأكيد! يرسل لك رسالة أن كراهيتك له أقل من أن تؤذيه أو تلفت انتباهه حد الانزعاج او اتخاذ رد فعل بأكثر من كلمة تؤدى بآلية تامة.. 

"شكراً.. انت أتفه من تهمني كراهيتك لي! انت لا تشغل هذا الحيز من تفكيري لكي يزعجني انك تكرهني، أو أن أنشغل بكيفية تصحيح الوضع، وتحويل الكراهية الي قبول او مشاعر إيجابية أخرى.. شكرا لأنك أخبرتني كي لا أهتم بمجاملات فارغة"

شكراً

إذا ماذا لو كان ما قلته هو "أحبك" وكان الرد عليها بـ "شكرا"... ماذا يعنيه ذلك بحق السماء؟!

"شكراً.. انا أعرف اني شخص رائع، يهيم المحيطون بي حبا ويتيهون بي غراما، فشكرا على تأكيد المعلومة"؟ "شكرا لانضمامك لقائمة المعجبون"؟ "شكرا على قيامك بواجبك تجاهي.. انا فعلا أستحق ان أكون محبوباً منك، فشكرا لأنك لم تخيب ظني"؟ 

ماذا تعنيه هنا؟! 

برغم حرصي الشديد على الآداب البائدة من نوعية "شكرا، ومن فضلك، وبعد إذنك" إلا اني في مثل تلك المواقف أجد هذه الـ "شكراً" قمة في الإهانة! او الاستهانة!

"شكراً لاهتمامك" كم هي باردة تلك الجملة حين تخبر أحدهم انك قلقت عليه حال مرضه/انشغاله، أو أنك تود ل تساعده في هذا الأمر أو ذاك.. ساعتها، تبدو شكرا كأنها صفعة! كأنها نظرة شذر تنزع عنك أهلية الاهتمام والمساعدة.. كأن لا حق لك في ذلك.. من انت لتهتم؟ انت أقل من ان تقدم مساعدتك شيئاً.

حين تقابلني إحدى هاته الـ"شكرا" أحاول ان أعبر اني لا اريد شكرا منك بل غاية مناي ان أوصل لك حقيقة تعتمل في عقلي او قلبي او الاثنين معاً.. ولكن أفشل! أشعر بالاهانة والغضب.. كأني أقدم يدي لك مصافحة فتهملها او تصافحني بأطراف اصابع باردة مشمئزة.. أو كأني اقترب لأقبلك فتشيح بوجهك عني كأني مصابة بعدوى ما!

أشعر بغضب شديد! أود لو أصرخ..

أفكر، إن الناس يختلفون عن بعضهم.. ليس كل الناس مثلك تشعر بالاهانة من "شكرا" في مثل هذه المواقف.. هم لا يقصدون سوءا.. هم يعبرون عم امتنانهم بطريقتهم وهذه هي الطريقة التي يعرفونها.. فأصمت... لا ابتسم ولا احر رداً..  

أحاول تفادي "الشكر" في مثل هذه المواقف بالدعاء والثناء على من "يعبّر" او "يحاول".. فأتحوال إلى شحاذة منبرية في الدعاء بحماس لمن يتصدق إليها.. ولا أهتم حقيقة ان  يبدو الأمر كذلك.. ولكني لن أرد مصافحتك باهمال او اشمئزاز.. وان قاربتني بقبلة سألف ذراعي حولك..  أتذكر جملة قرأتها لـ مريد البرغوثي: “ليس هناك ماهو موحش للمرء أكثر من أن يُنادى عليه بهذا النداء "يا أخْ".. ياأخ هي بالتحديد العبارةُ التي تُلغي الأخوة !”
وهكذا أشعر نحو هذه الـ"شكرا".. انا غريبة.. لم يسمح لي بالاقتراب بعد..

الحدود الفاصلة أكثر اتساعا من تعبير عن مشاعر او عرض المساعدة او اظهار الاهتمام، مهما كان أي منها حقيقي، وبلا غرض خفي من ورائه! أنا اقول هذا الآن، لأني أعنيه هنا والآن..

لم تشكرني على أفكاري تجاهك؟ لماذا تشعرني اني اؤديها على سبيل الخدمة او الواجب، ليس لأني أعنيها واقصد أن أنقلها إليك لنأتنس بصحبة او تأتنس افكارنا وأحزاننا ببعضها على الاقل.. لماذا قد تنفي عني اي أمل في حميمية أتبادلها معك بهذه الـ"شكرا"؟! ألا تشعر بقسوتها؟ حقا؟! لماذا إذا أشعر انا بقسوتها كأنها سوط على جلدي؟!!

حساسية زائدة مني؟ على الأغلب ان الأمر كذلك.. ولا داع لكل هذه الدراما..  صحيح ان "الحياة تستعصي على التبسيط" ولكن لا داع لكل هذا التعقيد..

من اليوم، كلما عبرت عن افكاري/مشاعري/أمنياتي تجاه أحدهم وكان رده "شكرا"، سأدرك حجمي.. وسأعرف اني غريبة عنه.. في صمت..

لن أرد الـ"شكرا" بـ"عفوا" تزيد من اتساع رقعة الغربة بيننا..
ولن أردها بابتسامة تجعل الصقيع يدب في أوصال العلاقة..

هو الصمت الرد المناسب على كل هذه الغربة.. وسأصلي لله في قلبي أن يمحو هذه الـ"شكرا" من قاموس المقربين مني الذين أصلي من اجل دوام نعمة وجودهم بحياتي.. ولتكن  صلاتي هي تعبيري الوحيد عن ما أكنه لهم.. حتى وإن لم يعرفوا ذلك أبداً..   

Thursday, December 25, 2014

يوسف


"قد شغفها حبا"


قابلتني هذه الجملة مصادفة وانا أهيم متصفحة بلا هدف...

توقفت أمامها كثيراً... "شَغَفَها حباً"

هو يوسف وقد قطعت النسوة أيديهن حين خرج عليهن.. هذا أمر طبيعي!


ولكن ما باُلكَ أنت شغفتني حباً؟


لست بيوسفٍ.. لا حُسنا ولا نبوة.. لست ابن يعقوب، وان كانت الدنيا قد لطّمتك يتيماً وتشتت بك السبل كابن يعقوب بعد أن أكله الأخوة الذئاب....
تقبع مستوحداً متوحداً في غيابة جب أحلامي، شغفتني حباً وغبت.. لا أملك حتى أن أراودك عن نفسك، كامرأة العزيز!
مالي لا أقدر على حب سواك، مهما حاولت؟ مهما قاومت صورتك؟

ما بالك انت شغفتني حباً فزهدت فيمن عداك؟

مالي حتى لا تطاوعني حروفي كتابة عنك؟ وصفاً لك... تيهاً في رحابك...
هل أقدر يوماً أن أجسدك كتابة؟ أن أضمنك في حروف وجمل وتراكيب اللغة فتبقى ما بقيت اللغة وتحيا حتى بعد فنائي أنا، كاتبة حروفك؟ هل تسعك لغة ما يوماً ما؟ هل أملك من المهارة ما يرسمك ويصفك فيخرجك من بين ضلوعي حياً على ورق؟ هل تسعك الأوراق؟
أهملت الرسم حين أيقنت أني لن أستطيع رسمك يوماً.. هل أهجر الحرف كرامة لك حين يعجز هو الآخر عن وصفك؟ وماذا يبقى لي؟
أنت؟ أتبقى لي؟ أتبقى معي؟ لو كان الأمر كذلك، فلتهجرني اللغة والحروف كما هجرت الرسم يوماً، وكفى بك نعمة...

ما بالك أنت شغفتني حباً فزهدت فيمن عداك حتى يداي ولساني؟


هل قلت أنك لست بحُسن يوسف؟ مالي إذا يسيل دمي طوعاً، دون سكين، إن لامستني عيونك، تقرباً وقرباناً حتى تبقى... فلم تعد تكفي الدموع كأضحية تراق تحت قدميك، وما عدت تبقى... ألست حقاً بحُسن يوسف؟ مابال هذه العيون تسبي، وهذا اللَحظ يقتُل؟ وهذه الابتسامة تنفي عن الأرض دورانها سوى في فلكك؟ كيف للون الحنطة أن يُذهب العقل إلا لتعلقه بجسد جعل الله له من السلطان ما شغفني حباً؟ ألست بحسن يوسف؟! بلى والله لقد أنعم الله علي برؤية يوسف فيك.. ووقر في قلبي ولع النسوة به، فيك... وشغفتني حباً كما شغِف يوسف زُليخة حباً...

فكفى بك يوسفٍ في الحياة الدنيا.. وليغفر لي الله، فأنا لم أكفر بيوسف وحسنه ونبوته، بل أقسم بهما أني آمنت بعبدٍ من عباده ملأ القلب والعين والروح بفضل من الله وجزيل مِنّتِه.. ولا أظن الله رازق أحدًا بنعمة كتلك، وبه غضب عليه..


هل قلت انك لست بنبوة يوسف؟ مالي إذا لا يعرف خبايا نفسي سواك؟ ولا تأويل لرؤياي إلا برؤيتك؟ ولا يسمع صمتي غيرك؟ ولا يهدهد روحي سوى كفك؟ ولا يطيب خاطري سوى ابتسامتك؟ ولا تفتنني سوى كلماتك كأنك شاعر، أو ساحر، أو مجنون؟ كيف لهذه الكف أن تحيي القلب بلمسة؟


كيف لمن لم تؤتَ له النبوة أن يهديني لصراط النفس المستقيم؟ أن يشعّ في حياتي نوراً؟ أن يبعث موات نفسي، فتشرق بنوره مرة أخرى وترى الخير في كل نفس، والجمال في كل قبح؟ ان ينفي عن قلبي الغضب، بنظرة؟ وأتبعه بلا موعظة؟ أن يشغفني حباً؟


ما بالك أنت شغفتني حباً فزهدت عمن عداك حتى يداي ولساني وذهلت بحُسنك واتبعتك دون نبوة؟


أنت يوسف ـي ، وسأراود حروفي وكلماتي عنك حتى تخرج من جُب أحلامي.. حتى وان كان الثمن أن يسيل دمي طوعاً، دون سكين، شهادة فيك.. وليرحمني الله في الآخرة ولا يحمل علي شغفي بك في الدنيا.. فهو رازقنيك.. وهو من ابتلاني بشغف لا شفاء منه إلا به... فطوبى لي إن مت شهيدة يوسف ـي... ذلك الذي شغفني حباً....


****



شكراً لمن قابلتني جُملتها صباحاً بأن هناك من شغفها حباً، فذكرتني بذلك الذي لا أنساه...

Wednesday, October 8, 2014

فَعُذرُنا...


إهداء للبنت اللي بتشوف الواد إياه - يحميه لشبابه - فترتبك وتتلخبط، ودقات قلبها تتجنن، واطرافها تتلّج وماتنطقش ولا كلمة.. إلا بعينيها... 
######

"دايما مشغول في حاجة... مابترفعش عينيك.. مابتشوفنيش"*

######

وجه جديد في الدرس.. ماكانش بيحضر طول السنة.. ظهر فجأة في حصص المراجعة النهائية.. اللي هم آخر حصتين!

الوحيد اللي ما بصش مرتين، ولا حتى مرة، للبنت اللي كان كل الولاد في الدرس ملمومين حوالين شقاوتها اللي غلبت سنها الصغير..

قعد في حاله بعيد عن الكل.. طبعاً لفت نظر المدرس اول ما دخل..

مش عشان حضوره اللي فرض نفسه في وسط المجموعة من غير ولا كلمة.. ولا عشان راسي وتقيل وشكله مش خفيف زي باقي الموجودين من سِنّه.. ولا عشان شعره الاسود الناعم اللي ماكانش عامله زي تسريحة أي حد من المطربين.. ليه لفت نظر المدرس.. أو نظرها؟ ماحدش عارف!


- "انت اول مرة تيجي! اسمك ايه؟"

- رامي

- طيب تعالى قدامي هنا يا رامي


طبعا الكل استغرب تصرف المدرس.. رامي طويل - يحميه لشبابه - مش هيتضايق لو قعد في تاني صف ولا حتى آخر صف! طيب واللي وراه يشوفوا ازاي؟!

لقيت نفسها متلخفنة ومتلخبطة ومتوترة.. اصل ماكانش فيه حد قاعد في الصف اللي قدام غيرها.. الصفوف مش كتير صحيح، بس كمان عددهم مش كتير.. فكل واحد قعد في مكان براحته.. كده، هايبقى بينهم كرسي واحد بس.. كرسي واحد!

مَر من ورا لقدام عشان يقعد مكان م المدرس قاله.. اتاخرت بالكرسي شوية عشان يعرف يعدل كرسيه.. عينيه مرت على وشها.. قام وشه احمرّ! وهي بسرعة دورت وشها الناحية التانية أحسن حد ياخد باله.. ياخد باله من ايه؟!! ولا حد فاهم حاجة

-"انت في مدرسة ايه؟"

- "بيقول اسم المدرسة اللي نسيته دلوقتي.. طبعا! ماهو عدى عُمْر!" 

- "وناوي تدخل كلية ايه؟"

- "هندسة"

- "فاضلك كتير على مجموعها"

- "لا.. لو قفلت المادة دي"

- "بابا مهندس وعاوز تبقى زيه؟"

- "لا بابا مدرس رياضة"

- في مدرسة ايه؟"

- "متوفي"

كان اول حد تشوفه من سنها، يتيم... كانت بتحس ان اليتم ده ماينفعش يحصل للي في سنهم.. يا يبقوا صغيرين اوي، يا يبقوا كبار أوي.. لكن في النص كده مش عدل! لا منهم اصغر من انهم يفتكروا اللي راح.. ولا كبارفيقدروا يقولوا انهم عرفوهم كفاية..

كانت على وشك تمد إيدها تطبطب عليه.. لكن يادوب قدرت تمد عينيها ناحيته... كان رافع راسه كأنه عايز يخليها اعلى من ايد اي حد عايزة تطبطب عليه.. وقبل ما تدور وشها، لمحته بيبص لها بطرف عينه.. بس ماحدش عارف ليه ايديها تلّجت فجأة في عز الصيف في اللحظة دي..

خِلِص الدرس.. خرجوا كلهم يعملوا زيطة.. المدرس كلمها كلمتين فخرجت متأخرة بعدهم.. لقيته واقف برة بعيد عن المجموعة، وبدأ يتحرك لما خرجت من الباب..

فضل ماشي قدامها وكل كام خطوة يبص وراه.. يلاقيها وراه، يكمل مشي.. 

وصلت عند بيتها.. وقفت شوية.. مسافة خطوتين أقل.. لحد ما بص وراه.. لقاها بتعدي الشارع.. وقف لحد ما دخلت البيت وبعدين كمل مشي... 

وماجاش الحصة التانية!

######

لون قميصه.. طوله.. شَعره.. شوية ملامح.. وإسم.. دول اللي فضلت فاكراهم عن الولد الغريب اللي ماجاش تاني حصة مراجعة، مع انه كان محتاج يقفل المادة عشان يدخل هندسة... 

######


رايحة هي وزميلتها يصوروا ملزمة مادة ما.. طبعا مش فاكراها! ماهو عدى عُمْر!!

دخلوا محل التصوير.. اللي كان ورا الجامعة.. هم لسه فيه منهم ورا الجامعة؟ الله أعلم! 

الولد استظرف عليهم.. كتمت غيظها رغم انها كانت عايزة تسمعه كلمتين تعرفه مقامه.. اخدوا ملازمهم وخارجين وهي ودانها بتطلع دخان م الغيظ وصاحبتها بتراضي نفسها وتراضيها بكلمتين.. خبطت في عينين..

اتلخفنت واتلخبطت واتوترت.. والعينين كانوا في وش ابيض منور، فجأة احمرّ... 

ليه الممر ده عدى بسرعة كده؟ كان لازم تبقى بتمشي بسرعة وهي متعصبة يعني؟! حاولت تهدي من خطوتها شوية.. المرة دي كان وراها.. 

ايديها تلّجت، برضه في عز الصيف.. "مال ايديكي تلجت كده ليه؟" ٍالتها صاحبتها وماعرفتش ترد... 

بصت وراها لقيت وشه باصص عليها من وسط الزحمة.. اتلخفنت اكتر وثبتت مكانها..

- "انتِ نسيتي حاجة هناك ولا ايه؟!"
- .......................

مشيت خطوتين كمان ولما بصت وراها تاني... مالقيتش غير الزحمة...


######

- "وبعدين يا خالتو؟! ماتقوليليش انك مشيتي!!!! "

- طيب كنت اعمل ايه؟ اصلا كان هيفتكرني ازاي بعد اربع سنين؟!! ولا كنت هاقوله ايه؟؟

- تكلميه!! تقولي له كنا بناخد درس سوا مثلا!!!

- على حصة واحدة اقوله كنا بناخد درس سوا؟! مش مفقوسة شوية؟! 

- مفقوسة بقى ولا مش مفقوسة.. المهم تكلميه! تفتحي مجال لحوار!! 

- يا سلام يا ست الجريئة!! وكانت فين الجراءة دي النهاردة مع "يحميه لشبابه"؟؟ 

- هه؟!!! إحم... 

- شوفتي بقى؟! آديكي اتلخفنتي واتلخبطتي واتوترتي ع السيرة!!.... انا بس كان نفسي أعرف راح هندسة زي ما كان نفسه ولا لأ!!

- ......... تفتكري ايه؟!

- .......... انتِ بقى هاتعملي إيه؟! ناوية تستني اربع سنين؟!

-ـ .........

- طيب... تصبحي على خير...

##############

* قالت له كده لما قررت تعترف له.. بعد سنين كتير... 

###########